حجم الإنهيار يعمّق العجز في ميزان المدفوعات

  • Aug 25, 2022 - 7:16 am

يأخذ الإنهيار السارح المُرخى العنان، أشكالاً مخيفة ومتناقضة في آن معاً. فأنيابه المكشّر عنها تُدمي أكثر من ثلثي الشعب اللبناني، وتعجز في المقابل عن إخافة الإقتصاد الفوضوي، وبالتالي ضبطه. وهذا ما يبرز بشكل فاقع في استمرار العجز في الميزان التجاري ومن خلفه ميزان المدفوعات. وما يعني ذلك من استمرار نزف النقد الصعب النادر.

إن كان هناك من إيجابية «يتيمة» لانهيار قيمة العملة الوطنية، فتتمثّل في تقليص القدرة على الاستيراد، والحدّ من تدفّق النقد الصعب بشكل عام إلى الخارج من جهة، ورفع قيمة الصادرات من جهة ثانية؛ والأمران لم يحصلا. فبحسب جدول إحصاءات الجمارك الخارجية للنصف الأول من العام الحالي، وتحديداً للفترة الممتدة من 1/01/2022 ولغاية 31/07/2022 بلغت قيمة الواردات 10.5 مليارات دولار، فيما لم تتجاوز قيمة الصادارت 2.1 مليار. أما بالنسبة إلى العام 2021 فقد بلغت قيمة المستوردات اللبنانية وفقاً لإحصاءات الجمارك أيضاً، أكثر من 13.6 مليار دولار، فيما لم تتجاوز قيمة الصادرات عتبة 3.9 مليارات دولار. فسجّل الميزان التجاري في العام2021 عجزاً كبيراً بقيمة 9.7 مليارات دولار، بارتفاع نسبته 25.6 في المئة عن العام 2020 حين بلغ العجز 7.8 مليارات.

تراجع خجول في الواردات

إذا كان العام 2020 لا يعتبر مقياساً دقيقاً للدلالة على حجم التجارة الخارجية، نظراً لتعطّل حركة التبادل وفترات الإقفال والحجر الطويلة بسبب جائحة كورونا، فإن مقارنة نتائج النصف الأول من العام الحالي ونتائج العام الماضي مع العام 2019 تعطي نظرة أوضح. وهي تظهر أن الواردات في العام 2021 لم تنخفض إلا بنسبة 29 في المئة مقارنة مع العام 2019، حيث بلغت الواردات 19.2 مليار دولار. ذلك رغم فقدان العملة 95 في المئة من قيمتها، وتجاوز التضخم عتبة 2000 في المئة، وارتفاع معدلات البطالة في أوساط الشباب إلى أكثر من 50 في المئة، ورزوح نحو 80 في المئة من الشعب اللبناني تحت خط الفقر، وتدني الناتج المحلي الإجمالي من حدود 55 مليار دولار إلى 20 ملياراً.

لا بدائل عن المستوردات

هذا التناقض الفاضح بين الواقع الاقتصادي البالغ الصعوبة واستمرار معدلات الاستيراد المرتفعة، يعود إلى مجموعة من الأسباب، أهمها: عجز المنظومة عن تقديم البدائل للمواطنين، تحديداً على صعيدي النقل والطاقة. فاستيراد المشتقات النفطية من أجل تأمين وقود المولدات الخاصة والبنزين للسيارات، شكّل 28 في المئة من فاتورة الاستيراد للعام 2021. حيث استورد لبنان 6.2 ملايين طن بقيمة تقدر بحوالى 3.8 مليارات دولار. ومن المتوقع هذا العام أن لا تتراجع قيمة المستوردات النفطية بشكل كبير، فالإنخفاض الطفيف في حجمها بسبب تراجع الاستهلاك الداخلي، سيعوض عنه الارتفاع العالمي في أسعارها.

إنعدام مرونة الطلب على البنزين

على الرغم من التراجع الواضح في استهلاك المحروقات هذا العام، ولا سيما البنزين، فإنه ما زال لا يتوافق مع وصول سعر الصفيحة إلى 600 ألف ليرة. فقد بيّن تقرير الدولية للمعلومات أن متوسط الاستهلاك اليومي انخفض من 328 ألف صفيحة يومياً في العام 2021، إلى281 ألف صفيحة هذا العام. أي بتراجع مقداره 47 ألف صفيحة، ونسبته 14.3 في المئة. إلا أنه في المقابل فإن سعر البنزين ارتفع بين العام 2021 والعام الحالي بنسبة 346 في المئة. حيث زاد سعر الصفيحة من 129 ألف ليرة في آب2021، إلى 575 ألف ليرة في آب الحالي. من الممكن الاستنتاج بحسب الأرقام أن زيادة السعر بنسبة 346 في المئة، أدت إلى تراجع الطلب بنسبة 14.3 في المئة فقط. و»هذا إن دل على شيء، فيدلّ على انعدام مرونة الطلب على البنزين بالمقارنة مع السعر، لعدم توفر البدائل»، بحسب مصدر متابع. «فدفع الأموال الطائلة ليس «هواية» عند اللبناني، إنما نابع من الحاجة إلى استعمال السيارة للوصول إلى العمل أو قضاء حاجاته المختلفة كالذهاب إلى السوق وإيصال أولاده إلى المدارس… وخلافه». وعليه فإن ارتفاع أسعار المحروقات بنسب أكبر بسبب الزيادة المنتظرة على الأسعار عالمياً، أو رفع الدعم كلياً، أو حتى رفع سعر الدولار الجمركي لن يؤدي إلى تراجع الاستهلاك، بل على العكس سيزيد من نزف العملة الصعبة، وتحقيق المزيد من العجوزات في ميزاني التجارة والمدفوعات».

والمازوت أيضاً

الأمر نفسه ينسحب على زيادة قيمة مستوردات لبنان من المازوت من أجل تأمين الكهرباء. فنحو 75 في المئة من حجم فاتورة المستوردات النفطية تذهب إلى المازوت بمقدار الثلثين وفيول المعامل بمقدار الثلث المتبقي. ومع استمرار الحاجة إلى مولدات الأحياء الخاصة وزيادة الأسعار عالمياً، فإن قيمة المازوت المستورد ستبقى كبيرة، حتى لو تراجع الاستهلاك قليلاً نتيجة التقنين الذي يمارسه أصحاب المولّدات.

زيادة الاستيراد تحسباً من رفع الدولار الجمركي

مثل آخر يستحق الوقوف عنده وهو احتلال السيارات والدراجات المرتبة الثالثة في خانة أكثر السلع استيراداً بقيمة وصلت إلى مليار دولار في العام 2021، وشكلت 8 في المئة من فاتورة الاستيراد. في حين أن المنتجات الصيدلانية احتلت المركز الرابع بنسبة 7 في المئة وبقيمة وصلت إلى 900 مليون دولار. وهذا يعود بحسب المصدر إلى إمكانية استيراد الآليات بكميات كبيرة وتخزينهاً تحسباً من رفع الدولار الجمركي الذي بدأ الحديث عنه قبل منتصف العام الماضي، ولتحقيق التجار الربح بعد رفعه. في حين أن الاستيراد الكبير للأدوية سببه عدم العمل على تنمية الصناعات الدوائية المحلية كما يجب واستمرار استيراد الماركات التجارية brands بدلاً من الجنريك الأقل ثمناً».

في الخلاصة فإنه طالما لا يوجد سياسات جدية وفعالة لتأمين نقل عام حديث ومتطور، ولا يوجد أي رؤية للنهوض بقطاع الكهرباء ولا نية لتطوير ودعم الصناعات المحلية الجدية التي تشكل بديلاً عن الاستيراد، فإنه عبثاً نحاول السيطرة على عجز ميزان المدفوعات والحد من خسارة النقد الصعب.

خالد أبو شقرا- “نداء الوطن”