المجتمع الدولي يمدّ اليد اليوم للبنانيين ويُنْذِر السياسيين

  • Aug 4, 2021 - 8:00 am
كأنها غداة «بيروتشيما». هكذا بدا المشهدُ عشية الذكرى الأولى لانفجار مرفأ بيروت التي يحييها لبنان و«العالم» اليوم من دون أن تكون جِراح ذاك الرابع من أغسطس «الهيروشيميّ» اندملتْ في ظلّ حقيقةٍ لم تُكشف وعدالةٍ لم تَتَحقَّق، ولا تداعياته السياسية توقّفتْ وسط استمرار البحث عن «جنس حكومةٍ» لتخْلف تلك التي استقالتْ (في 10 اغسطس 2020) على وهج تَطايُر مئات أطنان نيترات الأمونيوم التي ابتعلت نصف العاصمة و218 ضحية تاركة أكثر من 6500 جريح ومنكوبين ومشرّدين بمئات الآلاف.
 
أمس، كانت عواصم القرار وكأنّها في «استنفار» ما بعد 4 أغسطس 2020 الذي «زلْزل» العالم بمَشاهده المروّعة التي غزا معها حُطام «زهرة الشرق» شاشات الأرض وشغّل «الهواتف الحمر»، بعدما بدا أنها «نهاية الدنيا» في «ست الدنيا» التي ارتدتْ مجدداً عند السادسة وسبع دقائق من ذاك المساء المُفْجِع «ثوبَ الرماد» وكأنها ماضيةٌ إلى… عرسِ موت.
 
عامٌ كامل، دار دورتَه وكأنه «بقي في مكانه»… إحاطةٌ دولية مستعادة وتتكرّس اليوم في مؤتمر دعم الشعب اللبناني الذي تنظمه باريس والأمم المتحدة عن بُعد، ومواقف خارجية لم تنفكّ على مدار الأشهر الـ 12 الماضية تَحُضُّ على تأليف حكومة إصلاحاتٍ وإنجاز التحقيقات بتفجير المرفأ، وتَعُدُّ المبادراتِ بنُسخها الفرنسية التي ضاعت معها «هوية» المبادرة الأصلية التي أطلقها الرئيس ايمانويل ماكرون من بيروت (زارها في 6 أغسطس والأول من سبتمبر 2020)، وتُعِدُّ التحذيرات والإنذارات بالعقوبات إلى أن صار لها أخيراً إطار قانوني في الاتحاد الأوروبي.
 
هو «عام بيروتشيما»، الحدَث الأكثر «وحشية» في «روزنامة» الكوارث التي ضربتْ الوطن الصغير، والذي يحييه اللبنانيون اليوم في «مسرح الجريمة» التي لم يجف دمها بعد ولا خفتت ذكراها «الحية» في صرخات أهلٍ سـ «يسلّمون» وجعهم لآلاف الحناجر التي يُنتظر أن تصدح بثلاثة عناوين: الأول الحقيقة ودعوة الطبقة السياسية لرفْع الحصانات عن المطلوب الادعاء عليهم من المحقق العدلي القاضي طارق بيطار (رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب ووزراء سابقون – نواب وقادة أجهزة أمنية وقضاة وغيرهم).
 
والثاني رفْض عرائض تم التعاطي معها على أنها بمثابة «حصان طروادة» لاختراقِ محاولة محاسبة المسؤولين عما يشبه «الإبادة الجماعية» لعاصمة وناسها، بتهم التقصير والإهمال أو التواطؤ.
 
اما الثالث فكشْف «الصندوق الأسود» لشحنة الـ2750 طناً التي «هبطتْ» في المرفأ (نوفمبر 2013) وصارت تتسرّب بـ «تهريباتٍ» إلى أن حوّل ما بقي منها (نحو 552 طناً) بيروت إلى «محرقة» في 4 أغسطس 2020، وصولاً الى تفكيك شيفرة كيفية حصول الانفجار أو… التفجير.
 
اليوم تشخص الأنظار على المرفأ الجريح ومحيطه حيث سيترأس البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي قداساً وسط إعلان حداد وطني ومؤشرات إلى مشاركة شعبية حاشدة في الوداع الجديد للضحايا وفي تجديد الوعد بأن «الحقيقة ومهما تأخرت جايي» وبأن زمنَ السكوت أو «الاعتراض الناعم» على عدم رفْع الحصانات انتهى، وفي الوقت نفسه إحياء روح انتفاضة 17 اكتوبر 2019 بوجه الطبقة السياسية ومنظومة «التحالف بين الفساد والميليشيا».
 
وعشية «الأربعاء المشهود» كان لبنان مشدوداً إلى الاستعداد لمؤتمر باريس والى مجموعة مواقف دولية استعادت اليوم المشؤوم ومعه ذكّرت بضرورة الاستعجال بتأليف حكومةٍ توقف تدحْرج البلاد في قلب هاوية الانهيار المالي، ولم تنجح كل ديبلوماسيات الترغيب والترهيب على مدى عام كامل في الدفْع نحو الإفراج عنها وفكّ «القيود» المحلية – الإقليمية التي تمنع ولادتها والتي يُخشى أن تطيح أيضاً بتكليف الرئيس نجيب ميقاتي (كُلف قبل عشرة أيام) الذي بدا أنه وصل الى «الباب الموصد» نفسه الذي اصطدم به سلَفه الرئيس سعد الحريري وقبْله السفير مصطفى أديب، ولكن مع فارق أن الاعتذار الثالث هذه المرة، الذي بات على الطاولة، يرجّح أن يفتح طريق «انسحاب» المكوّن السني من أي تكليف جديد وربما ما هو أبعد، وتالياً ترْك البلاد أمام طلائع أزمة نظام.
 
 
ويشكّل مؤتمر دعم الشعب اللبناني الذي تعمّد ماكرون عقده في ذكرى 4 اغسطس مؤشراً إلى أن المجتمع الدولي مازال يصرّ على توفير «ممر إنساني آمن» للبنانيين يقيهم شرور الانهيار، على أن تكون لـ «المبلغ الهدف» الذي حُدد بنحو 350 مليون دولار قنواتٌ لإيصاله الى المستهدَفين عبر الأمم المتحدة وجمعيات من المجتمع المدني، أي من دون المرور بأي مؤسسات رسمية صارت شبه «منبوذة» دولياً ويمرّ «تأهيلها» بتشكيل حكومة تطلق أول إشارات الإصلاح وتحضّر للانتخابات النيابية (ربيع 2022).
 
وفي حين يحرص منظّمو المؤتمر على إكمال منْح المجتمع المدني اللبناني «شرعية» عبر تخصيص ممثلين له بكلمة أمام المُشاركين (عن بُعد)، فإن الأنظار تتجه لما إذا كان المؤتمر سينطوي على مفاجآت سلبية برسْم لبنان الرسمي الذي يتمثّل برئيس الجمهورية ميشال عون، وسط رصْد أيضاً لحجم وطبيعة المشاركة الخليجية رغم تأكيد حصور ممثلين لنحو 40 دولة ومنظمة دولية، أبرزهم الرئيس الأميركي جو بايدن الذي يلقي كلمة مسجّلة عبر الفيديو، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وملك الأردن عبدالله الثاني، ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.
 
وسيوجّه المؤتمر رسالتين متلازمتين: الأولى لدعم الشعب اللبناني بمساعدات ‏ستوجَّه الى الصحة والتعليم واعادة تجهيز المرفأ ودعم التراث الوطني والثقافة والصحة الغذائية، والثانية الى السياسيين في ظل عدم احترام التزاماتهم تشكيل حكومة ومطالبتهم بالقيام ‏بذلك على وجه السرعة و«تأليف حكومة لتنفيذ اصلاحات هيكلية ‏ينتظرها اللبنانيون والمجتمع الدولي، وتسمح بتقديم دعم» لا يقتصر على الاستجابة للحاجات الطارئة، وإلا فإن «سيف العقوبات» بات له مرتكز قانوني، وهو ما لمحت اليه الرئاسة الفرنسية بتأكيدها «سنواصل الضغط وسننتقل مع شركائنا الأوروبيين، إذا استمر التعطيل السياسي، إلى إجراءات أكثر أهمية».
 
وفي حين أسقطت الحساباتُ السُلطوية اللبنانية التي غالباً ما شكّلت واجهةً اختبأت خلفها الأبعاد الاقليمية لاستمرار احتجاز الملف الحكومي، رهان البعض على إمكان تأليف الحكومة قبل موعد المؤتمر وسط مخاوف من أن يكون هذا العنوان دخل مدار تعقيدات جديدة في ضوء التوتر الكبير في المنطقة بين اسرائيل (التي نفذت مناورات على الحدود مع لبنان) وإيران، فإن تقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش» الذي أصدرته أمس حول انفجار المرفأ، جاء بمثابة «مضبطة اتهام» للسلطة وكبار المسؤولين السياسيين والأمنيين فيها، الأمر الذي لابد أن يُعْطي مزيداً من الدفع لتحرّكاتِ اليوم إحياءً لذكرى 4 اغسطس التي يُتوقّع أن يطبعها غضبٌ قد يُعبًّر عنه بمفاجآتٍ في أكثر من اتجاه.