الاستحقاق يختبر فاعلية القانون الجديد. بتوقيع جوزف القصيفي

March 22, 2018

“هندسات” انتخابية تسبق تسجيل اللوائح

مع اقتراب العد العكسي لتسجيل اللوائح واعلانها، جرت “هندسات” انتخابية عاجلة، منها ما كان مفاجئاً ومنها ما كان متوقعاً، والهدف الرئيس هو تدعيم أوضاع اللوائح الاساسية التابعة للأحزاب والتيارات الكبيرة، و”تدشيمها” بانسحابات وعمليات انتقال من موقع الى موقع.

إنه “حاصود” الانتخابات الذي يطبق، بأمانة، المثل الانكليزي الشائع: “ليس في السياسة صداقات دائمة وعداوات دائمة، بل مصالح دائمة”، وكان الاجدى إبدال كلمة “السياسة” بكلمة “الانتخابات” ليأتي المعنى مطابقاً لواقع الحال.

كثيرة هي العجائب والغرائب التي رافقت الترشيحات وتركيب اللوائح، ولكنها غير مستغربة في بلد كلبنان، يستوعب كما يلفظ أي شيء، ما يذكّرنا بقول معبّر لسفير ايطاليا السابق في لبنان انطونيو مانشيني، الذي توفّي في ذروة احتدام المعارك بين وحدات الجيش اللبناني والقوات اللبنانية، في ما عرف حينها بـ”حرب التوحيد” و”حرب الالغاء” بحسب تسمية كل فريق:

Dans ce pays, l’ invraisemblable est toujours vraisemblable” “

أي”في هذا البلد، غير المعقول هو دائماً معقول”.

وفي عود الى الانتخابات، بات واضحاً أنها ستبعد وجوهاً ألفها المجلس النيابي والرأي العام منذ زمن، وستدخل وجوهاً يمكن توصيفها بورقة “اليانصيب”.. “يا بتخيب، يا بتصيب”، و”التغيير حلو” ومطلوب، ولو انه استبقي على بعض من كان اللبنانيون  يعولون على نباهتهم، فينسحبون من تلقاء أنفسهم لأن مدة صلاحيتهم في البقاء على الكرسي قد انقضت، ولم يعد من الجائز الاصرار على المضي في المعركة، ولو كانوا يضمنون الفوز. كما أن بعض الذين أطيحت رؤوس في سبيل إدخالهم الى  لوائح رئيسة، ليسوا افضل حالاً من الذين خرجوا او أُخرجوا.

قد تمثّل هذه الصرة النصف الفارغ  من الكوب، لكن ثمة نصفاً مليئاً يتمثل في وجود قانون جديد للانتخابات ينطلق من النسبية كقاعدة، ويفتح الباب أمام  دخول وجوه وقوى جديدة الى المجلس النيابي وفق أحجامها التمثيلية، بدلاً من البقاء في منطق “المحادل” و”المناجل” الذي يحمله قانون الستين “بكل أمانة”، والذي يقطع طريق التمثيل على الآخرين ولو نالوا 49 في المائة من الأصوات.

وكان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون واضحاً في كلامه بان قانون الانتخاب الجديد “يأخذ منّا ومن سوانا، لكنه يعطي جميع القوى ما يتناسب مع حجمها، بحيث يتمثل الكل”. وليس بالضرورة – كما يشاع – أن تكون النتائج معروفة سلفاً، خصوصاً أنها المرة الاولى التي يطبّق فيها هذا القانون. وأن الرئيس عون مصر على تطبيقه بحذافيره، وسيسهر على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، وفي أجواء أمنية سليمة، وان تكون المشاركة واسعة، ويأمل في أن يحترم الجميع النتائج.

وفي أي حال سيكون تطبيق القانون موضع  اهتمام المراقبين والخبراء الانتخابيين الذين سيسجلون ايجابياته وثغره على الارض، ويستخرجون النقاط التي ينبغي الابقاء عليها وتلك التي ينبغي تعديلها أو الاستغناء عنها. وان هذا القانون سيكون معبراً الى حياة سياسية ونيابية مختلفة، وهو سيقلص حضور الوجوه المستقلة، خصوصاً تلك التي اعتادت “الفزفزة” بين هذه الضفة أو تلك وإبدال بزاتها. كما أنه يفتح الباب أمام تشكيل جبهات سياسية، تيارات وأحزاب جديدة، على المستوى الوطني والمناطقي.

لا شك أن ثمة تسامحاً مع جماعة “الفزفزة” في هذا الاستحقاق، لكن التعامل معهم جرى على قاعدة “مكره اخاك لا بطل”، لكنها ستكون المرة الاخيرة التي سيتم فيها اللجوء الى مثل هذا الاجراء.

ومن الاصلاحات التي يمكن إدخالها على هذا القانون إلغاء هيئة الاشراف على الانتخابات لأنها تعمل من دون صلاحيات تقريرية، وأكثر ما يمكن أن تقوم به هو “التوصية”، وإبدالها بهيئة قضائية لمراقبة سير الانتخابات ولها ان تستعين بالخبراء الذين تثق بهم، بما يعطي عملها صدقية يرتاح لها الجميع.

ان هذا الاستحقاق هو أشبه بالـ”école des fans” حيث الربح للجميع، لكن نسب الربح تختلف. وفي المحصلة ستظل الكتل الرئيسة في صدارة المشهد. وما من تعديلات جوهرية قبل اختبار القانون المعمول به حالياً، والاهم من ذلك أن لبنان سيكون أمام مرحلة جديدة من التعاون بين مكوناته السياسية، مهما باعدت السياسة والاجندات بينها، لأنه يواجه تحديات تطاول تداعياتها الجميع ولا توفر أحداً، ما يوجب الالتفاف حول برنامج انقاذ مالي – اقتصادي يلتزم به الجميع، بعيداً من سياسة التجاذب والمكاسرة، لأن الوضع لم يعد يحتمل استمرار سياسة اللعب على حافة الهاوية.

ان فرصة التغيير بعد هذه الانتخابات ليست كبيرة، لكنها ستكون موجودة، وان الرئيس عون قال ان عهده الحقيقي سيبدأ على اثر انجاز هذا الاستحقاق المفصلي.

وفي انتظار السادس من أيار المقبل، يمكن القول ان كل شيء في لبنان يتنفس انتخابات، اما غداً فسيكون يوم آخر.

ان لبنان سيكون أمام نصف مفترق، لكن المفترق موجود هذه المرة، فعساه يكتمل، محققاً انعطافة جديدة نحو الافضل.


99864

رادار