شو بتدفع ع الصوت؟ بتوقيع فيوليت غزال البلعة

March 19, 2018

إنه زمن الإنتخابات في لبنان. مناخ يوجز ما يوحب به المقبل من الأيام بعد حسم وجهة المعارك المتوقعة قانونا هذا الأسبوع، بما ينذر ببدء أشرس المواجهات لا أنبلها، حين يُستخدم النفوذ لا الكفاءة، والمرواغة لا الصدق، للوصول إلى قاعة البرلمان.

هي من المرات النادرة التي يصدح فيها صوت اللبنانيين عاليا، ولا تقطعه لامبالاة السياسيين ولا مطامعهم ولا أهوائهم، لترضخ عند إبتزاز تشرّعه أبواب الإقتراع، وسيطول لشهر ونصف الشهر كرمى لعين “الصوت التفضيلي” الذي تشعر بثقله لوائح الأحزاب ويتنافس عليه مرشحو اللائحة الواحدة!

“شو بتدفع ع الصوت؟”

عبارة لم تعد تُعتبر في زمن الإنتخابات “رشوة” ولا وسيلة إغراء لشراء الأصوات، بعدما قوننتها إنتخابات 2018 في بند “إنفاق إنتخابي” محدّد سقفه بوضوح، لكنه يبقى عرضة لخروق من تحت الطاولة، ولا سيما إن بادر “حيتان المال الإنتخابي” إلى إظهار سخاء ورخاوة في تبذير ما تنتظره أيادٍ تواقة إلى وريقات خضراء تبلل عطشا مزمنا إلى بحبوحة “ذهبت ولم تعد”.

لا يؤمن اللبنانيون بأن دعم المجتمع الدولي الذي إتخذ هذا العام شكل مؤتمرات ثلاث، سينجح في تعويمهم معيشيا وإجتماعيا. فهم يضيعون في أرقام موازنة تتناتش إنجازاتها سلطة مشتتة، تحار في توزيع المغانم والثروات تحت بنود “نقاشات جدية” لم تفض إلى تغيير جذري في المشكلات البنيوية التي تعانيها. لم تسترعهم تصريحات “تربيح الجميلة” التي تحور وتدور على إعفائهم من الضرائب بعد سنة واحدة فقط على موازنة مشبعة بسلة مماثلة لم تكن في البال والحسبان، وبدأ يسدّد مفاعيلها إقتصادٌ يتهاوى على وقع تجاذبات سياسيين طامحين إلى ما هو أكثر وأبعد…

لا يؤمن اللبنانيون بجدية السلطة السياسية ولا بقدرتها إن أرادت، على الإلتزام بالإصلاحات المالية التي تجهد لتخريجها في موازنة 2018 قبل أن يكشف لبنان أوراقه في مؤتمر “سادر” الباريسي. فالعجز المخفض من 9 آلاف مليار ليرة الى 7 آلاف، ناجم عن خفض خدمة الدين (ثلث الموازنة) بفضل اللجوء مجددا إلى تقنية “سواب” مع مصرف لبنان لخفض الفوائد وخدمة الدين بنحو 214 مليار ليرة، مع طموح لبلوغها ما بين 1500 و2000 مليار ليرة في السنوات المقبلة “إن تمّ إعتماد هذه التقنية على نحو سليم”… ومَن يضمن الوعود بعد الإنتخابات والتجارب الماضية حافلة بأمثلة عن تخلّف السلطة؟ ومَن يحاسب بعد أن ينتهي وقت الحساب في صناديق الإقتراع؟

يحتاج اللبنانيون إلى إستعادة الثقة بالدولة بعد عقود كشفت عمق الهوة الفاصلة ما بين الإثنين. تدعي الدولة أنها حققت إنجازات. يشتاق المواطن إلى دورة اقتصادية يومية تقيه شرّ فقر وعوز يكبّران عجزه عن دفع إقساط المدارس وفواتير المستشفى والكهرباء والهاتف. تهرول الدولة الى الخارج بحثا عن تمويل الـ16 مليار دولار “إنقاذا لبنية تحتية متهالكة”، ويعاني المواطن من إستمرار إنقطاع التيار الكهربائي وزحمة السير وخنقات الإنترنت والخليوي وسموم النفايات المطمورة في الشوارع الخلفية…

هوة كبيرة تفصل ما بين المواطن ودولته. النمو حلم قد يزيد بمقدار نقطة مئوية واحدة مقابل كل مليار دولار ينجح لبنان في سحبها من فم المانحين الدوليين في “سادر” وتنفقه الحكومة على الـ250 مشروعا… “إذا بدأنا نرى مشاريع يتم تنفيذها”. هكذا، قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لوكالة “رويترز” نهاية الأسبوع، معتبرا أن معدل النمو بين 2.5 و3 في المئة “هو مستوى مستهدف “متحفظ”.

صندوق النقد الدولي وجّه في تقريره الأخير، إنتقادات “واقعية” إلى أداء السلطة اللبنانية. لم يخرج في توقعاته من دائرة 1 الى 1.5 في المئة لنمو الإقتصاد، حيث باتت الحاجة ماسة إلى إصلاحات مالية وهيكلية. ورأى إستحالة في الإستمرار بمسار الدين العام الذي بتجاوزه عتبة الـ150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، يعدّ من أحدى أعلى نسب الدين إلى الناتج في العالم.

دخل مشروع موازنة 2018 أروقة البرلمان خاليا من المعالجات البنيوية لإختلالات مزمنة لا حلّ لها إلا عبر إصلاحات هيكلية يُستبعد تطبيقها قبل الإنتخابات النيابية المقررة في 6 أيار/مايو المقبل. ورغم ذلك، إعتُبرت الموازنة الجديدة “إشارة جيدة” إلى الأسواق لأنها تسعى إلى خفض العجز والدين.

ما همّ اللبنانيين من أرقام وتقارير يعجز عن فهمها ويستحيل عليه “تقريشها”. يفقهون في ما تحويه جيوبهم من ليرات ودولارات تسدّ أفواها جائعة وتطمئن على مستقبل غامض. يريدون فرص عمل تقي عائلاتهم مرّ الغربة في بلاد لم تعد رواتبها مغرية. يتطلعون اليوم الى القليل من مال إنتخابي من دون أن يدركوا قوة صوتهم التفضيلي القادر فعلا على التغيير.

هي فرصة لن تتكرّر إلا بعد أربعة أعوام. فليكن تفضيل التغيير نحو الأفضل في الصوت التفضيلي، كي لا يتكرّر السؤال: “شو بتدفع ع الصوت؟”.


97919

رادار