“دست السموم” الإنتخابية بتوقيع فيوليت البلعة

March 5, 2018

بعد “براءة الذمة” السعودية، إستشعر لبنان مكامن الدعم لإستحقاقاته الداهمة، فرفع دفعة واحدة صخب ماكينات التحضيرات اللوجستية، ليبدو الجميع على عجلة لإنجاز ما يتوجب قبل فوات المواعيد الدستورية ومواقيت الإلتزامات الدولية.

موازنة 2018 ما زالت مشروعا قيد درس معجل مكرّر في جلسات مفتوحة للحكومة، مع خفض مقررة نسبته عند 20% أو بدونها، تثير نقاشات حادة حول مخصصات مطلوب المحافظة عليها إن لم يكن رفعها، بعضها محق وبعضها الآخر يتجاوز المنطق والعقل لوسع مسارب الإهدار والفساد وقياسا بحجم الثقل الذي يلقيه على كاهل الموازنة العامة، وتاليا المواطن. والهمّ الأول، خفض عجز الموازنة من نحو 8 مليارات دولار (!) تسبّبت بها سلسلة الرتب والرواتب حين إرتفعت كلفتها المقدّرة بعد خمسة أعوام، من 1200 مليار ليرة إلى 1800 مليارا.

ترغب الحكومة في إقفال ملف الموازنة قبل تقديم “مسودة” برنامج مؤتمر “سيدر1” منتصف الجاري إلى المنظمين الفرنسيين، تحضيرا لعقد مؤتمر إستكانت إلى تثبيت موعده أولا في 6 نيسان/أبريل المقبل، كما إلى مشاركة السعودية ثانيا في سلة الدعم المحددة بنحو 16 مليار دولار، وهو موقف سينسحب حتما على معظم دول الخليج العربي بعد مقاطعة سياسية إنسحبت على كل مفاصل الإقتصاد، فسحبت ما يمكن أن يعزّز مقومات الإستثمار والسياحة، بدليل ما جناه النمو من معدلات خجولة لا تكفي حاجة ولا تسدّ جوعا.

ليس سيئا أن تسرّع الحكومة الخطى نحو إستعادة الثقة بأداء شابه الكثير بفعل سياسي متعمّد أحيانا ومحكوما قسرا في أحيان أخرى. لكن في النتيجة، لم يفلح الإقتصاد في “تقريش” إنجازات السنة الأولى من عهد الإصلاح والتغيير مع بقاء المناخ الداخلي مسموما بسياسة كيد ونكد، نكّدت عيشة المقيمين من لبنانيين ولاجئين. وها هي الانتخابات النيابية تزيد بمكيالها الخاص على ما يحتويه “دست السموم”، حيث يختلط حابل الشعارات بنابل الحاجات… وما أكثرها.

في أول ما يشتهيه المواطن، أحد أركان “الميمات” الأربع التي لا يتنازع أحد على أحقية الحصول عليها: المسكن قبل المأكل والمدرسة والمستشفى. حتى في تلك اللحظات الحرجة، ضاع الغطاء مع إنتفاء مسببات الإنتفاع. فوائد لبنان إرتفعت بمعدل 2% نتيجة إرتفاع منسوب المخاطر السيادية، وإستُهلكت أموال القروض المخصصة للدعم بعد أعوام، ولا يبدو أن المصارف راغبة في تحمّل حصتها من التكاليف الإضافية. السياسة الإسكانية هي مسؤولية الدولة لا مصرف لبنان الذي إنغمس كثيرا في دعم الاقتصاد وحاول إنعاشه على مدى 7 أعوام برزم الـ7 مليارات دولار.

أيها اللبنانيون، لا تصدقوا كل ما تسمعونه هذه الأيام. أحلام وردية توحي بها لوحات إعلانات الحملات الانتخابية، لتعيد إحياء أمل بدولة مؤسسات وقانون، أضاعت بوصلتها وضاعت بين كلمات البيانات الوزارية وحروف العهود التي قُطعت على مدى أعوام وأعوام.

فما همّ اللبناني الحائر في البحث عن وظيفة تؤمن لقمة العيش، إن إستمر تنامي المديونية العامة وبلغ ما يحذّر منه صندوق النقد الدولي. لا يأبه لأرقام لا حول له فيها ولا كلمة، لكن السلطة تدرك جيدا أن ملامسة سقف الـ150% للدين العام من الناتج المحلي الإجمالي، تعني أن المجال ما زال مفتوحا لتنامي الحجم الأساس للدين من 80 مليار دولار إلى الـ100 مليار، وفي ذلك إشارة حمراء لا يُستحسن تجاوزها لأي بلد من دون “رفة جفن”. فالكلفة الكبيرة التي تستحوذ على ثلث الموازنة، تعني الإستمرار في دوامة الإقتراض الخارجي-المحلي، مما ينعكس كلفة في الداخل تُترجم إرتفاعا في معدلات الفوائد، بما يزيد من إنكماش الاقتصاد ويدفعه نحو براثن الركود.

وما همّ المواطن إن إرتفع عجز الموازنة من 5 إلى 8 مليارات دولار بسبب “فعلة” السلسلة والتوظيفات السياسية الانتخابية وسياسة الإنفلاش الإنفاقي التي لا توحي بأن لبنان يمرّ في ضائقة أو يعاني أزمة؟ فالأرقام تبقى بالنسبة إليه أرقاما بالملايين والمليارات التي يحنّ إلى بعض من دولاراتها أو ليراتها.

لبنان دولة مفلسة؟ هذا ما يفقه فيه المواطن ويخشى مفاعيله إن لم يبادر أهل السلطة إلى قطع دابر الإنهيار قبل فوات الأوان. يأمل حتما في خطاب صادق، يقطع دابر الفساد، ويعد بالإصلاحات ويلتزم بتنفيذها إنقاذا لسياسيين يتجدّدون عند كل إستحقاق، ويتمسكون بما لا يعنيهم من تصويب لإنحرافات تكاد تجرف معها أخضر لبنان ويابسه، لولا وجود بعض الصالحين والمصلحين.

يحلم اللبناني بدولة تعيد له ما سلبته الحياة من حقوقه. فكيف إن كانت هي المتهمة؟
يروي لبناني عاش طويلا في بلاد الإغتراب المتحضر، حادثة يقصّها في كل مناسبة للدلالة على قائمة المفقود من الحاجات في بلاد الأرز. ذات مرة، أراد الحصول على خدمة حكومية خُصّص لها كشك على الطريق العام. وضع المبلغ المطلوب، لكن الآلة خذلته… فأكلت المال ولم تقدم الخدمة. إتصل بالمركز الرئيس لمقدمي الخدمات شاكيا وحانقا، وسمع إعتذارا ووعدا بردّ ما دفعه هدرا.

نسي المغترب واقعة “السرقة”، وسافر ليعود بعد نحو شهرين، ويجد بين بريده الخاص، رسالة إعتذار مطوّلة مرفقة بنقوده المعدنية… فوجئ لأنه لبناني، ولم يستغرب طالما أنه في مملكة متحدة تقدّس حقّ الإنسان. أسف على حال لبنان، وبدأ يحنّ نادما بعد عودة إلى بلد لا يتمسّك بصفته “وجهة أخيرة”!


90014

رادار