هامة بقامات كثيرة.. وعهد الالتزام بالوعد-بتوقيع جوزيف القصيفي

December 22, 2017

تعود معرفتي بالرئيس  ميشال عون الى مطالع ثمانينيات القرن المنصرم. قبل ذلك كنت قد سمعت الكثير عنه، كضابط ميداني يقود جنوده باحتراف في المواقع التي كانت تعهد إليه قيادة الجيش بالذود عنها. وقد تميز بالشجاعة والاخلاص لرسالة الجندية.

حصل اللقاء في مطعم “جنينة الباشا” في جسر الباشا وكان صاحبه “أبو اسعد” – رحمه الله – رجلاً محباً، غيوراً وبشوشاً. وكان المدعي العام العسكري يومها الشيخ اسعد جرمامونس، المؤرخ الكبير ورجل المبادرات الوطنية، هو الداعي الى هذا اللقاء الذي تخلّله حديث شامل حول الاوضاع العامة في البلاد. في تلك الفترة كنت مراسلاً في إذاعة “صوت لبنان” ومحرراً وكاتباً في العديد من الصحف اليومية، ومنها “السفير” و”النهار”. وشاركنا الغداء الزميل فؤاد دعبول الصحافي في جريدة الأنوار ومجلة الصياد – أمدّ الله في عمره – والزميل الراحل الياس الهبر وكان مندوباً اعلاميا في “وكالة الانباء الصحافية” لصاحبها الصحافي المرموق المرحوم محمد الزين.

كانت المجالس بالامانات كما شاء عون المتألم من الحال التي ترسف البلاد في قيودها، والرافض لانصاف الحلول التي تبقي لبنان مكتوياً بنار الانتظار، ولا تقدّم له إلا تسويات هشة تدوم أياماً وأحياناً ساعات معدودة ينطبق عليها توصيف “استراحة المحارب”.

وبعد هذا اللقاء، التقيته ثانية مهنئاً بتسلمه قيادة “فوج الدفاع الأول” الذي كان حديث التجهيز ويضم لفيفاً من خيرة ضباط الجيش ورتبائه وافراده، وعهد إليه مهمة الذود عن جبهة تمتد من كفرشيما الى  المتحف. كان الطامحون الى تولي قيادة الفوج كثر، لكن الخيار رسا عليه نظراً لثقة الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل وقائد “القوات  اللبنانية” آنذاك الشيخ بشير الجميل به. وقد أبلى عون بلاءً حسناً، وفرض على الفريق المقابل المنتشر على طول خط المواجهة إيقاعه وألزمه بهدنة قسرية جعلت ما سمي يومها بـ “المناطق الشرقية” تنعم بهدوء طويل.

وعندما اعتمدت صيغة الألوية في تشكيل وحدات الجيش عين قائداً للواء الثامن الذي تمركز على امتداد “جبهة سوق الغرب”، وهي أخطر الجبهات وأكثرها دقة لانها كانت تمثل خط الدفاع الاول والأخير عن الشرعية اللبنانية ورمزها القصر الجمهوري. وقد شاع صيت عون بين المواطنين الذين محضوه ثقتهم وتفاعلوا معه ايجاباً، مع الاشارة الى ابتعاده عن الاضواء والمظاهر الدعائية، وكانت المناسبات بمعنى ” الموندانيته” لا تعني له الشيء الكثير، باستثناء ما يتصل منها بالوقوف الى جانب الضباط والرتباء والجنود وعائلاتهم عندما يستشهد احدهم او يصاب، وتقديم  التعازي لدى وفاة أحد الاصدقاء أو الاقارب، تماشيا مع مبدأ الاخاء والتضامن الانسانيين في مثل هذه الاحوال، وذلك بعكس بعض كبار الضباط الذين كان يستهويهم حضور المنتديات الاجتماعية الصاخبة والمشاركة فيها. وهذا ما أكسبه شعبية واسعة في صفوف أفراد القوى المسلحة وبين اللبنانيين.

وبعد مؤتمري “جينيف” و”لوزان” وتشكيل حكومة” وحدة وطنية” برئاسة رشيد كرامي، عُين ميشال عون قائداً للجيش خلفاً للعماد إبراهيم طنوس. وحتى قبل أيام من تعيينه في هذا المنصب، حاولت بعض الجهات ضرب هذا التوجه لدى الحكومة، في محاولة لتعيين العميد حبيب فارس، لكن هذه المحاولة كانت يائسة بسبب التفاف معظم قيادات الطيف السياسي اللبناني من حوله والتأييد العارم له في صفوف الشعب.

كانت علاقة العماد عون شاقة مع رئيس الجمهورية يومذاك الشيخ أمين الجميل وبعض مكونات الحكومة. وغالباً ما كانت تنشر معلومات وتقارير عن طبيعة هذه العلاقات الغارقة بين مدّ الطموحات السياسية لكل طرف، وجزر المصلحة العليا للدولة. وكان القائد الجديد للجيش لا يخفي امتعاضه، وان كتب عليه ان يتأقلم مع واقع الارض وان يتعايش مع “القوات اللبنانية” بقيادة سمير جعجع بعدما استقام “الامر له” في المنطقة الشرقية، وتحديداً الدويلة الممتدة من كفرشيما الى المدفون حيث “أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار”.

لا حاجة بنا الى التذكير بما كان من أمر تسلمه رئاسة الحكومة الانتقالية بعد تعذّر انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً للرئيس أمين الجميل في 23 ايلول 1988، وما سبق ذلك من مناورات ومبادرات آلت جميعها الى الفشل.

والحقيقة ان فكرة الوصول الى الرئاسة بدأت تخامر العماد عون والفريق المدني والعسكري المحيط به، وهو يضم نخبة من المثقفين الحالمين بوطن قوي سيد قراره، وتزامن ذلك مع حملة شعبية واسعة في الاعلام والمحاضرات واللقاءات النخبوية والمناسبات العامة، ومهد لهذه الاطروحة العميد الركن فؤاد عون بكتابه “ويبقى الجيش هو الحل”، ما أوجد تياراً لبنانياً واسعاً يجاهر بفساد الطبقة السياسية والدور السلبي للميليشيات، أنّى كانت مسمياتها. ولم يؤمن العماد عون بالتسويات التي كانت تطبخ في الحدائق الخلفية لدوائر القرار في العالم، وحتى في بكركي التي أُقحم سيدها في لعبة لوائح أسماء المرشحين للرئاسة الاولى التي كانت ترفع الى واشنطن، فدمشق، ويدعو الى رئيس منبثق من إرادة شعبية على العالم التعاطي معها إيجاباً.

بدت فسحة الخيارات تضيق، ورقعة المناورات تتراكم، حتى أدى هذا التراكم الى انفجارين كبيرين:

الأول، “حرب التحرير” التي استغلت نتائحها لتبرير التوجه الى الطائف.

الثاني، الصدام بين الجيش و”القوات اللبنانية” التي أضعفت المكون المسيحي وانهكته بالقدر الذي سمح بالخروج عن روحية الطائف وتطبيقه على نحو غير متوازن، بفضل تغطية الر ئيس الياس الهراوي للخروقات التي طاولته، وإقدامه على مبادرات أمعنت في تكريس الخلل من خلال توقيعه على مرسوم التجنيس في العام 1994.

وعلى اثر اجتياح الجيش السوري القصر الجمهوري بتغطية مباشرة وحماسة لا توصف من الرئيس الهراوي، الذي انقلب على معظم رفقاء دربه المسيحيين في الطائف، وخروجه الى باريس لاجئاً سياسياً، كان للعماد عون متسع من الوقت لمراجعة شاملة للمرحلة السابقة، ورأى أن المرحلة المستجدة سيكون لها الطابع الموقت، وان الوقت هو وقت مقاومة سياسية سلمية في الداخل والخارج، فخاض هذه المغامرة بثبات بعدما تأكد أن وهج شعبيته وحضوره لم يخب، بل على العكس من ذلك  اتسع جمهوره ليشمل من كان في وقت من الاوقات لا يرى رأيه.

وقد بلغ النضج السياسي من العماد عون مبلغاً كبيراً، فحدّد أولوياته وبعث برسائل الى جميع القوى السياسية من دون استثناء، يعلمها بأن المعطيات المتوافرة لديه تفيد أن الجيش السوري سينسحب من لبنان في شباط 2005، داعياً الى مؤتمر وطني في الخارج لمواكبة هذا الحدث بالحد الاقصى من التضامن، ومن ثم تنظيم العلاقات اللبنانية – السورية على أسس جديدة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة .

لم تأخذ معظم القوى دعوة عون بالاهتمام الكافي واعتبرته طرحا “يوتيوبيا”. وبعد الرابع عشر من آذار 2005، الذي كان لمشاركة أنصار العماد في تظاهرته المركزية الحضور البارز، حاول رفاق دربه عرقلة عودته الى لبنان وقطع الطريق على أي مسعى منه لاستثمار رصيده الشعبي الكبير في الانتخابات النيابية .

وكان من نتيجة محاولات الالتفاف عليه وتحجيمه، ان حقق نتائج باهرة في تلك الانتخابات، وتمكّن من تشكيل تكتّل نيابي هو الأكبر مسيحياً في المجلس النيابي، ما حدا بالنائب وليد جنبلاط الى إطلاق اسم “تسونامي” على ظاهرته.

ولكن اهم ما أقدم عليه العماد عون كان التفاهم الذي وقعه مع الامين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله في مار مخايل – الشياح في 6 شباط 2006، وقد كان له وقع الصاعقة على العديد من الافرقاء في الداخل، كما في الخارج، وفي مقدمهم الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وسائر الدول العربية المعادية لمحور الممانعة، وخصوصا المملكة العربية السعودية .

وفي حرب تموز 2006 مرت ورقة التفاهم بامتحان صعب، وكان “التيار الوطني الحر” الى جانب “حزب الله” سياسياً واجتماعياً واعلامياً في تلك اللحظات المفصلية، ما جعل الأخير يحفظ له هذا الجميل الى “يوم القيامة”، وستظهر  مفاعيل “معمودية” هذا التحالف في الاستحقاقين المقبلين: انتخابات العام 2009 النيابية، وانتخابات رئاسة الجمهورية العام 2016. وفي الاستحقاقين كان الحزب الى جانب العماد عون من دون قيد أو شرط، رافضاً أي مساومة، أو أي صفقة على حسابه. حتى بلغ به الأمر إلى إفهام المعنيين بأنه في الاستحقاق الرئاسي لن  يتخلى الحزب عن ترشيح العماد عون إلا اذا قررهو ذلك.

وكان في الامكان توسيع قاعدة هذا التفاهم ليشمل المكونات السياسية اللبنانية، لكن التصويب الحاد عليه بدأ غداة اعلانه، حيث نشطت حملة غير مسبوقة تتهم العماد عون بتوفير التغطية المسيحية لـ “حزب الله” واجهها برباطة جأش، معتبراً أن ما قام به خطوة وطنية تؤسس لتفاهم حقيقي، وليس تهمة يؤاخذ عليها، رافضاً ما يساق إليه من ملاحظات قاسية حول تخندقه وإقحام جمهوره في محور اقليمي معين.

ولأن التفكير الشمولي يطبع حركة العماد عون السياسية، أنجز مع “القوات اللبنانية” تفاهماً اطلق عليه “تفاهم معراب” بعد سنوات من التباعد. وتعرض هذا التفاهم الى “قصف” بالمدفعية الثقيلة، لكنه أدى غرضه في تنفيس الاحتقان الذي كان سا ئداً في الوسط المسيحي، وأراح الشارع كثيراً، ووفّر قاعدة استنهاض على طريق إعادة التوازن الى المشهد السياسي. وكان لـ”تفاهم معراب” الدور المتمم من حيث مفاعيله الرئاسية لـ “تفاهم مار مخايل”، إذ أمّنا إحاطة ساعدت الرئيس سعد الحريري على قراءة جادة للمعطيات، حملته على إبرام تسوية مع رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل شكلت الارضية الصالحة لانتخاب العماد عون على رأس الجمهورية اللبنانية، وكان للعوامل الداخلية، خلافاً للاستحقاقات السابقة، الدور الاكبر في تظهير الاستحقاق الرئاسي على هذا النحو بعد مضي ما يقارب السنتين على شغور منصب الرئاسة.

 عون رئيساً

إنه العسكري الرابع الذي يتولى رئاسة الجمهورية انتخاباً لا انقلابا بعد اللواء فؤاد شهاب، العماد آميل لحود، والعماد ميشال سليمان. واذا كان هؤلاء الثلاثة قد انتخبوا وهم في سدة المسؤولية، فإن العماد عون دخل قصر بعبدا رئيساً للجمهورية بعد ما يقارب الربع قرن على مغادرته منصبه.

انه رئيس “غير شكل” بدليل مواقفه الواضحة وشجاعته في مواجهة التحديات مهما عظمت، خصوصاً في أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من الرياض.
هذه المواقف أرست دعائم “خيمة” تظلّل القرار اللبناني وتحميه، وتقدم نموذجاً للتضامن الوطني بين أركان الحكم في الاستحقاقات المصيرية.

الرئيس عون نقض مقولة “قوة لبنان في ضعفه”، وأوجد معادلة جديدة مفادها ان “قوة لبنان ليست بضعفه ولا بسلاحه الناري، بل بموقفه الموحد والجامع”. على أن ذلك لم يعن أبداً انتقاصاً من دور الجيش وسائر القوى العسكرية والأمنية التي تعهدها برعايته ومتابعته، بما مكنها من أداء مهماتها على أكمل وجه، خصوصاً في عملية تحرير الجرود، ودك معاقل الارهاب حيثما وجد.
ان خطاب الرئيس عون انطوى خلال السنة الاولى من ولايته على الآتي :

1ـ اطلالة مشرقية ثبتته المرجعية المسيحية السياسية الأولى في هذه المنطقة من العالم، في ضوء الضمور الكبير الذي طاول الوجود المسيحي بفعل الحرب الدائرة في كل من سوريا والعراق والعمليات الارهابية التي استهدفته في مصر. وكان افتتاحه للمعرض الخاص بمسيحيي الشرق في باريس خلال زيارة الدولة التي قام بها الى فرنسا، دلالة على الاعتراف الدولي بمرجعيته المسيحية التي تتخطى حدود لبنان الى الشرق قاطبة.

2 ـ موقفه الحازم والمتقدم من موضوع القدس، وهو ما تجلّى في قمة اسطنبول الاسلامية، وشكّل خارطة طريق للمؤتمرين. وان خطاب وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل في جامعة الدول العربية بالقاهرة ترجمة لتوجهات الرئيس المبدئية في ما يتعلق بالموضوعات الاساسية.

3 ـ التصدي لأي محاولة لمصادرة القرار الوطني، وإنهاء حقبة الخوف والحذر والتردد الذين كانوا دائمي المثول في كل مرة يتعين على لبنان الرسمي سلوك خيار ما او اتخاذ قرار لا يعجب هذا الطرف أو ذاك.

4 ـ الاصرار على تحصين القرار الوطني باجراءات سيادية على مستوى الانتاج والاقتصاد من خلال المباشرة بوضع ملف التنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية على السكة الصحيحة بدءاً بالتلزيم التدريجي. ان الشروع في هذا العمل وإتمامه بشفافية ووفق آليات ناظمة له، سيفتح آفاقا واسعة وواعدة امام اللبنانيين، لاسيما فئة الشباب، للبقاء في وطنهم وتوظيف خبراتهم وطاقاتهم، ما يساعد على الحد كثيرا من نزيف الهجرة التي تختطف فلذات اكبادنا، وتدخل المجتع اللبناني في شيخوخة قسرية. وبالتالي لن يعود بامكان أي دولة أن تهددنا بلقمة عيش ابنائنا، وضرب مصالحهم، في كل مرة تتعارض سياستها مع سياسة الدولة اللبنانية.

5 ـ المضي في سياسة الاصلاح المالي والضريبي لوقف الهدر، والتجاوز المتدرج لعجز الموازنة، وتطوير سياسة الرعاية الاجتماعية، فلا يعود لبنان “دولة جباية لا دولة رعاية”، بل الاثنين معا.

6 ـ السير في سياسة الانماء المتوازن، وما يفرض ذلك من تشريعات وخطوات لترجمته عملياً، وتعزيز اللامركزية الادارية الموسعة.

7 ـ إيلاء ملف المنتشرين اللبنانيين والافادة من امكاناتهم وقدراتهم الهائلة للنهوص بلبنان، والتعامل معهم كقيمة أساسية، لا كبقرة حلوب، وذلك من خلال إعادة تنظيمهم في هيكليات حديثة توطد صلاتهم بالوطن الأم وإشراكهم في القرار الوطني والسياسي من خلال منحهم الحق في استعادة جنسيته، والانتخاب، والحوافز التي تقنعهم بالاستثمار في لبنان. وقد خطا العهد في سنته الاولى في هذا الاتجاه، لكن يبقى هناك الكثير من العمل لتتسع رقعة استنهاض اللبنانيين المقيمين في الخارج، وهم ثروة ومفخرة لا يمكن تقديرهما بثمن مهما علا.

هذه هي ركائز خطاب الرئيس ميشال عون الذي يجتهد لتنفيذها، متخطياً كل العوائق التي يمكن أن تعترضه في بلد الثمانية عشرة طائفة التي تتنازعه الاهواء المذهبية والمناطقية والمصالح السياسية الضيقة.

كما يتعين عليه أن يتصدى لثقافة الفساد ويُعمل فيها معول الهدم لتقويض أركانها من الاساس.

الرئيس عون هو قامة بقامات كثيرة، يجمع في شخصه ثقافة بشارة الخوري وحنكته، وشجاعة كميل شمعون، ونزعة فؤاد شهاب الاصلاحية، واستشراف رياض الصلح، ونزاهة رشيد كرامي، وصراحة ريمون اده، وصلابة بيار الجميل، ورؤيوية كمال جنبلاط، وعنفوان بشير الجميل، وحضور موسى الصدر، وصبر الياس سركيس.. هذا المزيج جعل منه رئيساً ـ ظاهرة .

هذا الماروني المتجذّر في مارونيته، عابر للطوائف، ويرى في تعددها ثروة عالمية مسكونية لا تدانى.
تعود بي الذاكرة سنوات الى الوراء عندما كنت ألتقيه وبعض الزملاء بانتظام، وكانت أحداث وطننا الممزق والمشلّع حينها موضوع حديثنا الرئيس. كان دائم التفاؤل، والايمان بأن لبنان أرض الصراع بين الاستراتيجيات المتعارضة سيخرج موحداً، قوياً ومعافى، وأن رياح “اللبننة” ستطرق أبواب دول كثيرة تخال أنها ستكون في منجى منها. وكان يدعو باستمرار الى توسيع “بيكار” القراءة والنظر الى الأحداث بشمولية، وعدم اغفال الدور الذي تؤديه الدول الاقليمية  الكبيرة، وهو يتجاوز من حيث تأثيرة دور دول القرار العالمي. وانه لابد من تغيير أساليب التصدي والمواجهة، فالعين تقاوم المخرز إذا عرفنا ماذا نريد ووجهنا البوصلة في الاتجاه الصحيح، وان التغيير آتٍ آتٍ لامحال.

وفي كل مرة نخرج من لقائنا معه كنا نسجل إعجابنا بسعة معرفته واحاطته بالاوضاع، وثقافته.. لكننا كنا نتساءل حول الخلاصات التي يصل إليها ونقول: إنه حالم كبير. اصطدمت أحلامه بخيبات، وكبا به جواد طموحه مرات، لكنه أتقن فن النهوض. نهض واستنهض، وها هو يحمل لواء جمهورية العهد والوعد، رئيساً للبنان أراده عظيماً..
وهو لن ينكث عهداً ولن يخلف وعداً.


50940

رادار