إلى سارِقِ سيّارَتي….سامَحتُك! بتوقيع روني ألفا

December 20, 2017

منذُ خَمسَةِ أيّامٍ وغصَّة، وتَحتَ جنحِ ظلامٍ بِلا ضَوءِ قَمَر،وعِندَ الساعَةِ الرابِعةِ فَجراً وَفُجوراً، تسَلَّلَ لِصٌّ ظَريفٌ نَحيفٌ إلى حَيِّنا الرّاقِدِ على رَجاءِ الصَّباح وَسَرَقَ سيّارَةَ ابنَتي التّي صمّدتُ ثَمَنَها في قِجّةٍ مصنوعَةٍ مِن جَبينٍ ما زالَ يَعرَقُ، فكسَرَ زجاجَها الأماميَّ ودَوَّرَ محرِّكَها بِبَراعَةِ ساحِرٍ يَحتَرِفُ إطلاقَ الأَرانِبِ من قبّعَتِهِ والحَمامِ الأبيض مِن كمِّهِ الأسوَد.
لَمْ تَعهَدِ السيّارَةُ التي تآخَتْ مَع يَدَي ابنَتِي الطرِيَّتَينِ كَسراً وَخَلعاً وَعُنفاً أينَ منهُ عنفُ اغتِصابِ السّبايا في عَصرِ فُتوحاتِ بَني جاهِل.
استَطيَبَ السارِقُ نزهَتَهُ النَّزِقَةَ وأشعَلَ لفافَةَ وِنستون وتوجَّهَ إلى عَكّار حيثُ تَمَ الإتِّفاقُ مَع رِفاقٍ لَهُ في الكار على اللِّقاءِ والسّيرِ في موكِبٍ يضمُّ سيّارَتَين أُخرَيَينِ مشابِهتَينِ لِسيارَتِنا على أَن تتضمَّنَ الخِطَّةُ تَسليمَ السيّاراتِ إلى مَجموعَةٍ أُخرَى تَتَولّى إدخالَها إلى بَلَدٍ شَقيقٍ في رحلَةٍ سياحيَّةٍ لا يَتَطلَّبُ المرورُ على معابِرِها الوَعِرةِ تأشيرَةَ دُخول.
طَبعاً كانَت شُعبَةُ المَعلوماتِ مَشكورَةً بالمِرصاد وكَمَنَتْ للمَجموعَةِ وأوقَفَتْ أفرادَها واستَرجَعَتِ السيّاراتَ وسلَّمَتها إلى أصحابِها وكانَ ذلكِ في اليومِ التالي للسرِقَة.
وَجَدنا صعوبَةً كبيرَةً في التعرّفِ على جثّتِنا المعدنيَّةِ لولا الرّقمِ التسلسليِّ للشاسي مِن وفرَةِ الصّدماتِ والكَدماتِ وإطلاقِ النارِ الذي أصابَ مؤخِّرَتَها وفَخَذيها وَصَدرَها ووجهَها فصارَت سيّارَتُنا الجَديدَةُ رَميماً بالكادِ تصلَحُ لبَيعِ الخِرضَةِ بالكِيلو.
وَعِندَما أوتِيَ بالسارِقِ مُكَبَّلَ المِعصَمَينِ ذليلاً لِتَمثيلِ جَريمَتِهِ،أَوصَيتُ رِجالَ التَحرّي بعَدَمِ تَعنيفِهِ في مؤخِّرَتِهِ أو فَخذَيهِ أو صَدرِهِ أَو وَجهِهِ، وأَوصَتني سيّارَةُ ابنَتي المُحتَضَرَةُ بالرّفقِ بِهِ، فَحَديدُها مُتسامِحٌ ومِقوَدُها لَطيفُ المَعشَرِ وقَد لَقِيَت في السّارِقِ، بالرغمِ مِن رُعونَتِهِ وصلافَتِهِ وعُنفِهِ، ضحيَّةً للجهلِ والحِرمانِ، وَكادَت أَن تَقول قَبلَ أن تُوارى الثَّرى في جبّانَةِ السيّارات: الحمدُ لله، الحَمدُ لله، إنقَضَتْ بِالحَديدِ وفي الحَديدِ، ويَكفي أنَّ مالِكَتي بِخَير، وسارِقي بِخَير، وكِلاهُما مُتَساوٍ في الإنسانيَّةِ وَجديرٌ بالمحبّةِ والتّسامُحِ والغُفران.
تَحِيَّتي إلى السارِقِ أُبلِغُهُ فيها ألا يؤَنِبُهُ ضَميرُهُ إلا بِمِقدارِ أخذِ العِبرَةِ مِن فِعلَتِهِ، مَع رَجائي أن تَتَّسِعَ السّجونُ في بَلَدِنا لِفعلِ المَحبَّةِ والتّدريبِ على الخيرِ والتّوبَةِ وَأَن تَرفِقَ بالسارِقِ علَّهُ بعدَ خُروجِهِ يَرفِقُ بِنا فلا يَعمَلُ تحتَ جنحِ الظَّلام ولا يَكونُ لِصّاً ظَريفاً بَل مُواطِناً صالِحاً يسرِقُ القلوب لا السيارات ويُدَوِّرُ محرِّكاتَ ضَميرِهِ لا محرِّكاتَ السيّارات.
مَع مَحَبَّتي الصّادِقَة وَتَفَهُّمي واستيعابي وَتَسامُحي مَع السارِقِ في سِجنِهِ، لا بُدَّ لي من الإعتِرافِ دونَ غُلوٍّ أنّهُ ساهَمَ بِفِعلَتِهِ هذه في التّخفيفِ مِن اكتِظاظِ السيّاراتِ المَركونَةِ أمامَ رَصيفِنا الضيِّقِ وأفسَحَ لي مَشكوراً من صَميمِ القَلب بالتَمَتُّعِ بِمرورِ قِطَطٍ شارِدَةٍ اعتادَت التوقُّفَ أمامَ بَيتي والتي أستَمتِعُ في إطعامِها بينَ الفَينةِ والفَينَةِ بِبَعضِ فَضَلاتِ أطباقِنا وسطَ سلامٍ روحيٍّ وَلا أجمَل!


50099

رادار