لبنان في فترة سماح! بتوقيع فيوليت غزال البلعة

December 11, 2017

هنيئا لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري عودته بهذه القوة الى المعادلة السياسية، محليا وخارجيا. وهنيئا أيضا للبنانيين بمرور قطوع الإستقالة بسلاسة وحنكة ديبلوماسيتين، أفضتا إلى منح لبنان جرعة دفع جديدة تتيح له إعادة التموضع في الخريطة الدولية.

قبل صدور بيان مجموعة الدعم الدولي من أجل لبنان، توقّع الحريري أن يشكّل المؤتمر الذي ترأسه “العرّاب” إيمانويل ماكرون وإن إنعقد رسميا برئاسة الأمم المتحدة، “محطّة مهمة لدعم الإقتصاد اللبناني وتعزيز صموده”. وما لم يشأ رئيس حكومة لبنان الإشارة له في تصريحه المقتضب لحظة وطأت قدماه أرض باريس، ورد بوضوح في البيان الختامي لمجموعة الدعم التي إعتبرت الحريري “شريكا رئيسا لصون وحده لبنان وإستقراره”. وهذا ما مهّد لإعلان “إلتزام دول المجموعة إستقرار لبنان وأمنه وسيادته، ودعم الجهود الحالية التي تبذلها السلطات اللبنانية لإستعادة الأداء الطبيعي للمؤسسات والتحضير لتنظيم الإنتخابات التشريعية في أيار/مايو 2018، تماشياً مع المعايير الدولية”.

حسنا فعل المجتمع الدولي بمنحه لبنان “بطاقة مرور” نحو “الإستقرار” بعدما أعلن رغبته في إعتماد “النأي بالنفس” عن أزمات المنطقة وصراعاتها، سياسة واحدة للدولة. فهل تتلقف بيروت ما أتيح لها من فرص لإلتقاط بعض من أنفاسها؟

مَن يقرأ بين سطور التطورات المتسارعة دوليا وترجماتها الإقليمية، يدرك جيدا أن أمام لبنان مهمة يفترض إنجازها في الفترة الإنتقالية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط بسخونة قادرة على قلب المشاهد والثوابت في لحظات. ولن تكون تلك المهمة “مستحيلة”، بعد قوة الدفع التي منحها المجتمع الدولي على نحو غير مسبوق في التاريخ القريب، في إتجاه التمسّك الواضح بـ”تمكين كل المؤسسات والجهات الفاعلة في القطاع الإقتصادي والمواطنين من تحقيق الإستقرار السياسي والإقتصادي القائم على دولة كفية وشفافة وديموقراطية”.

لكن، ثمة ما يوجب لحظه في دفتر الشروط الذي حدّدته الأسرة الدولية للمضي في جرعات الدعم التي ستتوّج في الربيع المقبل (آذار/مارس) مع العزم على عقد “مؤتمر باريس 4″، وترجمة إلتزام الرئيس الحريري “الشخصي” بـ”متابعة العمل لتدعيم مؤسسات الدولة والإصلاح الإقتصادي والتشريعي الذي يدعم دولة القانون، ويضمن مزيداً من الشفافية ومكافحة أفضل للفساد”. إذ أن أي خلل في التطبيق سيصيب ميزان الثقة بلبنان، الموسومة فئة من مكوّناته بـ”إرهاب” إستوجب عقوبات أميركية متشدّدة، وإجراءات عربية تكاد تخنق متنفسات أساس في إقتصاده الوطني.

ماذا يتوجّب على لبنان تقديمه لنفسه قبل المجتمع الدولي؟
الإصلاح، هو العنوان الذي يتصدّر قائمة الإهتمامات والتطلعات، وخصوصا في: الإدارة العامة قطعا لقنوات الفساد ومعوقات مناخ الأعمال، وفي المالية العامة ضبطا للعجوزات المتراكمة بكل أثقالها على الموازنات والدين العام وكلفته، وفي تطبيق خطط الإستثمار الحكومية الرامية إلى النهوض بالنمو وإستحداث فرص عمل وتأهيل البنى التحتية.

هي ثوابت غير مستعصية إن أراد لبنان إنقاذ مجتمعه من الضيق الاقتصادي الخانق الذي يبحث عن سبيل صالح قد يتجلّى في إبعاد كل شبهة تتاخم ملفات حيوية وإستراتيجية، كتلك التي تلازم ملفات النفط المقبل على توقيع عقود طويلة الأمد ووافرة التكاليف كما العمولات، وبواخر الكهرباء التي طُرحت لإنقاذ موسم الصيف من التقنين وبقيت موضع خلاف بين وزراء حكومة “إستعادة الثقة” رغم بدء فصل الشتاء، والنفايات التي إلتزمت حلولها الملتبسة حدّ مطامر بدائية باتت متخمة، وإستشفاء عاما يطرح علامات إستفهام كثيرة على تضييق دور الضمان الاجتماعي وقصور وزارة الصحة عن تقديم أدنى الخدمات وإستمرار تضخّم فاتورة الطبابة والإستشفاء…

تحديات كثيرة فرضتها تداعيات حروب المنطقة، وأقربها ملف النزوح وكلفة إستضافة 1.5 مليون سوري في إقتصاد بالكاد يعيل 5 ملايين. وإلى حين إيجاد موقف داخلي موّحد من “العودة” وظروف إقليمية مناسبة، على لبنان التعامل مع الواقع السكاني الجديد بتنظيم قدراته الذاتية لتتلاءم وما قد تفضي إليه الحماسة الدولية، وخصوصا الفرنسية، حيال النتائج المرتقبة من “مؤتمر باريس 4” لدعم الاستقرار الإقتصادي بعد الثناء على “الدور البارز الذي أداه مصرف لبنان في المحافظة على الاستقرار المالي في البلاد”، بحسب بيان مجموعة الدعم للبنان.

يطلق لبنان هذا الأسبوع ملف التلزيمات النفطية الى “الكونسورسيوم” الذي رست عليه دورة التراخيص الأولى، ليخطو أولى خطواته نحو نادي الدول النفطية. وهذا ما يستوجب الحذر في إلتزام الشفافية تجنبا لتعثّر قد لا تعوّضه مليارات المؤتمرات في الخارج، وتنتظره إسرائيل وتأمل قبرص في الإفادة منه لتكبير حصتها الإنتاجية في أسواق التصدير. ملف يفترض أن يتزامن مع إطلاق صفارة الخصخصة بغية جذب الإستثمارات اللازمة لإعادة تأهيل البنى التحتية المترهلة، بما فيها معالجة نفايات لبنان المتراكمة روائح صفقات لا تنتج إلا ملوّثات مرضية مميتة.

على باب قوسين من موسم أعياد نهاية العام، يتوقع لبنان وصول نحو مليوني زائر سيساهمون حتما في تنشيط دورة الإقتصاد ويرفعون معدل النمو إلى أكثر من 2%.

أمام لبنان ورشة عمل جدية تتطلب إلتزام التسوية السياسية الأخيرة حتى وإن لم تكن هي المنتظرة كونها أرجأت الخلافات إلى ما بعد تحالفات الإنتخابات النيابية إن حصلت، وتستوجب أيضا طاقما شفافا وعازما وقادرا، يحترم مبادئ الممارسات السياسية والإقتصادية، ينفذ وعوده ويدرك واجباته حيال مجتمع تحمّل كثيرا وقاسى الأمرّين على مدى عقود. هي فترة سماح مجانية مُنحت للبنان. فهل يتلقفها؟


45574

رادار