خاص”Tawasal.com”: ميفوق القطارة بلدة العسل المتوّجة بأيقونة “سيدة إيليج” وشاهدة على “قديسي لبنان”

December 2, 2017

إعداد جوزفين يزبك الحشاش

عندما يقترن التاريخ العريق برمزيّته المقدسة، مع الجغرافيا بطبيعتها الخلابة وسحرها الأخّاذ والمطبوعة “بشهد العسل”، وعندما تستكين الروح لتمجّد الخالق، تدرك أنّك أصبحت في ميفوق والقطّارة في وسط بلاد جبيل.

فهي أوّلًا  بلدة القداسة المزدانة بالكنائس والأديرة، المزيّنة بأيقونة سيدة إيليج الأثرية (المعتمدة في الكنائس المارونية في العالم) وبدير سيدة إيليج أعرق كراسي البطريركية المارونية (لمدّة 320 سنة)، وقد تخمّرت بالقداسة مع مكوث القديس شربل والقديس نعمة الله والأخ إسطفان فيها.

وثانيًا كونها مركزًا لأهمّ ولأجود نوعية من العسل، إنها “بلدة العسل”.

 

مميّزاتها: 

ميفوق والقطارة روحان في قلب واحد، فمياه ميفوق تجري في عروق القطارة، التي تقطّر بدورها من فيض مغاراتها وأنهارها على الغابات الخضراء في البلدتين. ومن أهم مميّزاتها أنّها أصبحت منطقة جذب للسياحة الدينية، فهي على خارطة طريق القديسين (من القديس شربل مرورًا بميفوق والقطارة-“سيّدة إيليج” وصولًا  إلى القديس الحرديني والقديسة رفقا).

وتتبارك البلدة بدير سيّدة إيليج الأثري الذي يعتبر من أقدم الأبنية التاريخية والأثرية في الشرق، ويعود بأجزاءٍ منه إلى العهد الفينيقي، كما أنه سيدرج على لائحة المزارات العالمية بما له من رمزية وقدسية، وهو ثالث وأعرق كرسي بطريركي ماروني اتّخذه البطاركة الأولون مركزًا لهم، فسكن فيه 18 بطريركًا من سنة 1120 حتّى 1444 م، وهو يحتوي على هامات بعض البطاركة. هذا وتحتضن سيدة إيليج 5352 شهيدا.

أمّا أيقونة سيّدة إيليج العجائبية الإيقونوغرافية، رفيقة البطاركة، فقد اعتُمدت كأقدم أيقونة سريانية في كنائس العالم وتحمل لنا تراثًا تاريخيًا مارونيًا مسيحيًا من القرن العاشر، إنها أكثر من أيقونة عجائبية رسمت بإيمان المؤمنين، هي علامة من علامات الأزمنة التي رافقت فيها أم يسوع الكنيسة، حيث صلّى أمامها آباؤنا وآجدادنا وطلبوا شفاعتها، فكانت ملجأهم ورجاءهم.

أعجوبة شجرة اللوز

لشجرة اللوز في سيدة إيليج قصة عجائبية، فبعد أن كانت يابسة لمدة 3 سنوات وسوف تقطع، علقت المسابح على أغصانها، فإذا بها تعود لتزهر من جديد ببركة أمنا سيدة إيليج العجائبية. وأصبح الزوار يعلقون مسابحهم عليها للتبرك ولطلب نية (تحوي حوالى 1000 مسبحة)، وباتت تعرف بإسم “شجرة المسابح” أو “شجرة الوردية” صانعة المعجزات.

أديرة القديسين

ميفوق والقطارة المرصوفة بحجارة الإيمان تزخر بعدد من الأديرة والكنائس القديمة، أهمّها دير سيدة ميفوق الذي تأسّس عام 1766 وله دور مهم في التنشئة الرهبانية، وقد ملأت القداسة جدرانه بعد مكوث القديس شربل فيه لسنة كاملة – سنة الإبتداء للقديس 1851..

وكان القديس خلالها يقصد “الحصار” للتأمّل والصلاة، وهو كناية عن (كهف محصّن) أو مغارة في الجبل المواجه للدير يعود للقرون الوسطى، وهو مكرّس اليوم للقديس. كذلك مكوث الأخ إسطفان نعمة فيه لفترة طويلة.

وشهد الدير على تلقي رجال عظماء التعليم في مدرسته التي تأسّست عام 1921، منهم الرئيسان الياس سركيس ورينيه معوّض …النائب عباس الهاشم، وعدد من رجال الدولة والدين..

كذلك يشهد دير مار شليطا القطارة (1847)، على عظمة القديس نعمة الله كسّاب الحرديني الذي كان يثابر على زيارة الدير والصلاة مع جمهور الرهبان، والاحتفال يومياً بالذبيحة الالهيّة، ومنه فاح عطر قداسته بأعجوبة إكثار المؤونة في “الكوارة”، وأيضا أعجوبة “النمل”. وقد عاش فيه أيضاً الطوباوي الأخ اسطفان نعمه مدة ثلاث سنوات عاملا في زراعة الاراضي. ويضمّ الدير حاليا مركز السيدة العذراء مريم الناصرة، الذي يشرف على إدارته الاباتي انطوان خليفه، وتعمل الرهبانية اللبنانية المارونية على جعله مزارًا عالميًا.

سر العسل الميفوقي

ميفوق القطارة اقترن إسمها بالعسل منذ حوالي القرن السادس عشر، وهو منّة إلى الطبيعة من الله ومنّة من الطبيعة بواسطة النحلة، إنه غذاء ودواء في نفس الوقت، حيث تقيم جمعية “عسل من ميفوق” مهرجاناً سنوياً، وفي هذا الإطار غنّت فيروز في مسرحية “عودة العسكر”:

حرير من الزوق               مشالح عكارية

عسل من ميفوق              خناجر جزينية

فمن المعروف أن غذاء النحل هو الذي يحدّد طبيعة ونوع العسل الذي تنتجه، فالطبيعة في ميفوق القطارة تتمتّع بغنى نادر، ففيها كمّ هائل من الأزهار والأشجار والعفص والسنديان والأرز. إضافة إلى أنها تحوي على 27 نبعاً، فتتكوّن نوعية نادرة من العسل وهي مزيج من كل هؤلاء مجتمعين ويسمّى “العسل الميفوقي”، ومنه شهد العسل وال royale Gelee  أو الغذاء الملكي، ويستعمل على الصعيدين التجاري والطبي.

هذه الجمالية للطبيعة تجعل منها مقصدًا لمحبي ال “HIKING” وإقامة المخيمات واكتشاف المغاور (منها مغارة سيدة إيليج). فكل من يقصد ميفوق القطارة ينجذب الى طيبة وعراقة أهلها، يغتني من طبيعتها الفريدة، يغرف من الدين وباستطاعته أن يمضي نهاره بأكمله لا سيّما بوجود مطاعم راقية عدّة… ويتحلّى أخيرًا “بالعسل”.

 

البلدية والمخاتير

تتربّع ميفوق والقطارة على عرش العلم والثقافة (قضاة – كتّاب عدل – أطباء – مهندسين – محامين – أساتذة…) وفيها رئيس بلدية مميّز هو رجل الاعمال هادي الحشاش، الذي قام منذ تسلّمه الرئاسة مع المجلس البلدي الجديد عام 2016 بإنجازات عدّة أهمّها شقّ وتوسيع الشارع الرئيسي لدير “سيّدة إيليج” وتأهيل جوانبه، وتعبيد طريق “كفرشللي” وإحياء الحفلات المجانية (عشاء قروي)، وقد تميزت هذه المرحلة بتفعيل دور اللجان داخل المجلس البلدي ومحاولة اشراك الجميع في الرؤيا المستقبلية للبلدية.

وعن المشاريع المستقبلية أكّد الحشاش  أن البلدية تسعى الى تأمين الإعتمادات للمرحلة الثانية، لافتتاح المستشفى الحكومي في البلدة، إضافة إلى دعم النادي والجمعيات، والحث على البدء بطريق القديسين ومتابعتها مع وزير الاشغال.

وفي موضوع تملّك الأراضي، أوضح رئيس البلدية أن الحل في مرحلة متقدّمة والعمل جارٍ من ضمن اللجنة المواكبة على الدفع به إلى الأمام بطريقة عادلة وصحيحة.

وفي البلدة مختاران هما أنطوان سلامة وكمال الحشاش. مختار ميفوق أنطوان سلامة الذي إنتُخب منذ العام 2004، أكّد أن همّ المخاتير ورئيس البلدية واللجنة بكاملها التوصّل إلى حلّ نهائي للنزاع حول الأراضي للوصول إلى برّ الأمان.

أمّا مختار القطارة كمال الحشاش الذي يقوم بمهامه منذ إنتخابه عام 1998، فقد شدّد لموقعنا “Tawasal.com”على التكاتف والتعاون والمحبّة بين أبناء البلدة، التي تضمّ 400 ناخب في القطارة و1300 في ميفوق. وأكّد المختار الحشاش كونه رئيسًا للجنة مهرجانات العسل على إقامة المهرجان السنوي في شهر آب، مشجّعًا أبناء البلدة على اقتناء خلايا نحل.

وتبقى أهمّ قضية لأهالي البلدة اليوم، حلّ مشكلة التملّك، الذي أصبح حيّز التنفيذ بعد موافقة الكرسي الرسولي في روما، والعمل جارٍ على حلّ نهائي وشامل وكامل، حسب ما أوضح رئيس دير ميفوق الأب ميشال اليان.

نكهة خاصة

ميفوق القطارة لها نكهتها الخاصة التي تتجلّى بوجود:

مدرستين خاصة ورسمية، مستشفى حكومي، جمعية الرحمة تضامن ميفوق القطارة، جمعية “بلدتي”، جمعية “عسل من ميفوق”، نادي عشتروت الإجتماعي، القصر البلدي، حديقة عامة، مطاعم (قصر العسل – نبع الجوز – مطعم المحبسة)، صالونين للكنيسة، رابطة سيدة إيليج،  البيت اللبناني للتراث، متحف التحف القديمة، مغاور، مركز للشؤون الإجتماعية، معاصر قديمة، أخوية الحبل بلا دنس، وشبيبة العذراء سيدة إيليج.

 

لمحة تاريخية وجغرافية

ميفوق والقطارة محمية طبيعية ذات المناظر الخضراء والبيئة النظيفة، تقع في وسط قضاء جبيل وترتفع بين 850 و1150 م عن سطع البحر، ما يجعلها مركزًا مميّزًا للإصطياف. مساحتها جوالي 12 مليون متر مربع، وعدد سكانها 4500 نسمة.

إسمها يعني “الماء الفوقاني” أو MAYFAWKA، لغزارة المياه في بيئتها الجوفية التي تحتوي على 27 نبع جار.

يمكن الوصول إلى ميفوق عبر 3 طرقات: عنايا – لحفد (بلدة الأخ إسطفان) – ميفوق، القديسة رفقا والحرديني – ميفوق وأوتوستراد عمشيت – ميفوق.

 عائلات ميفوق والقطارة: الحشاش، الدرزي، الرقيبي، الحاج، سلامة، يونان، نون، خليفة وسعادة…ولهذه العائلات فروع متعددة .. منها يزبك، متى، وهبي، مخايل، الياس…

الأديرة والكنائس: دير سيدة إيليج، دير سيدة ميفوق، دير مار شليطا القطارة ودير مار جرجس.

كنيسة سيدة الوردية، كنيسة مار سابا، كنيسة القديسة مورا، كنيسة مار يوحنا المهجورة، محبسة مار سركيس وباخوس، بالإضافة إلى كابيلا مار الياس الحي، كابيلا سانت ريتا، جبل الصليب والحصار.

ميفوق القطارة نجم هبط من الخيمة الزرقاء على بساط أخضر، مزين بالأشجار المتمايلة ، ليشعشع قداسة وتاريخا .. ويقطّر عسلاً …

إننا نشكر الله ألف ألف مرّة على غنى جمالاتك… ميفوق والقطارة!


41057

رادار