كتير سلبي! بتوقيع فيوليت غزال البلعة

July 9, 2018

عندما يحار اللبنانيون في الإختيار بين قضاء عطلة الأسبوع في قبرص أو تسديد فاتورة موّلد الكهرباء عن إستهلاك شهر واحد، وهما بالقيمة عينها تقريبا، تكون الأزمة المعيشية بلغت حدّا دفع العديد الى السخرية في توصيف المشكلة على قاعدة “لا تندهي ما في حدا”…

عندما يحار اللبنانيون في البحث عن حلّ لمشكلة الإسكان المدعوم بالفوائد بعدما أفضت الأزمة الطارئة وكما قيل، إلى “الغاء” العديد من حفلات الزفاف المبرمجة سلفا، يكون لبنان على طريق إغفال أهمية شبكات الأمان الاجتماعي التي لطالما حرص مصرف لبنان على توفيرها، وبات يحق للبنانيين اليوم مطالبة الدولة والحكومة بتحمل مسؤولياتهما إستنباطا للحلول.

عندما يحار اللبنانيون في الهرب من روائح نفايات لا تزال تفترش الشوارع الخلفية للمدن وتسبقهم إلى شواطئها بوقاحة، ليتجنبوا المفاعيل المنعكسة على الفاتورة الاستشفائية وعلى حركة السياحة التي تراجعت لأسباب أخرى أيضا، يجدون في أجوبة المسؤولين ما لا يشفي الغليل… فلا مبرّر لأي تخلّف عن المعالجات، حرقا لا طمرا، ما دامت التجارب الدولية ناجعة وصحية.

عندما يحار اللبنانيون في تفسير “شائكة” سلسلة الرتب والرواتب التي فرّقت ما بين أبناء المجتمع، قطاعا عاما وخاصا، مدارس ومعلمين، متقاعدين ومتعاقدين، لا يجدون سوى مطالب لم تبرّد حماوتها “زودة” أضيفت إلى راتب بدون دراسة أو دراية.

عندما يحار اللبنانيون في السؤال عن تقرير الإستشاري “ماكينزي” ليدقّقوا في مضمون توصيف من ألف صفحة لأزمة إقتصادية وعلاجات شافية حفظوها عن غيب، ولا يجدون مستند الخطة لدى أي فريق سياسي، يحق لهم التساؤل عن خلفيات عدم النشر حرصا على شفافية الأداء الوزاري، وأيضا لأن التمويل رغم سقفه المتواضع، هو من جيوبهم الخاصة، وتاليا يحق لهم السؤال.

عندما يحار اللبنانيون بما يفعلون بمدخرات متراكمة على مدى العمر ليرة ليرة، لا يجدون سوى هلعا تثيره شائعات مغرضة رغم إدراك أصحابها أن الليرة متينة ولا شيء يهزّها، فلا خوف على تغطيتها طالما بقي حاكم مصرف لبنان رياض سلامة هو العين الساهرة. وباتوا يسألون عن الخلط المتعمد أحيانا ما بين الوهن الإقتصادي والنقدي… وشتان ما بين الإثنين!

لكن، لا يحار اللبنانيون عندما يسألون عن موعد ولادة الحكومة طالما أنهم يتصبحّون ويتمسّون بخطابات ساخنة تتبادلها التيارات السياسية حرصا على حصص وحقائب كرّسها التمثيل النيابي. فالتوقعات باتت ترجئ الخبر السعيد إلى ما بعد عطلة المسؤولين، وربما أبعد، أي إلى حين جلاء بعض الصور العسكرية في المنطقة، والتي لا يزال غبارها يسبغ الرمادية في أفق الأمد القريب.

لا يبدو أن أحدا من المسؤولين مهتمّ فعلا بأزمة الإقتصاد والمتفرّع عنها إجتماعيا ومعيشيا، وهي المرشحة إلى المزيد من التأزم. فلبنان على عتبة موسم صيف كان يفترض أن يكون سياحيا بإمتياز، وأن يتيح المجال أمام توفير وظائف جديدة تتلقف أعداد العاطلين عن العمل الذين قدّرت دراسة لوزارة العمل والضمان الاجتماعي وجمعية “قرارات” أخيرا، إرتفاع عددهم الى 660 ألفا، يضاف اليهم نحو 800 ألف سيدة منزل من حملة الشهادات.

ينذر ارتفاع معدل البطالة الى اكثر من 36%، وتجاوزها الـ46% في عكار وبعلبك والهرمل وبلوغها الـ42% للفئة العمرية بين 18 و24، بأن الإنكماش الإقتصادي يزيد حدة وبات يحتاج قرارات “غير شعبية” مُطالب بها لبنان قبل أن يتبادر إلى ذهن “سيدر” التفكير بها حلا لمعضلات المالية العامة المزمنة، وإشتراط تنفيذها بشفافية تامة لقاء منحه الـ11 مليار دولار الموعودة على شكل قروض مدعومة الفوائد.

جيد أن يستعين لبنان بـ”ماكينزي” لتوصيف ما يلزم لأزماته، لكن القرار السياسي هو المفتاح الأول والأخير. فما نفع التقارير، وعشرات منها شهيدات على رفوف المسؤولين وفي جواريرهم، وشاهدات على مصير أفضى إليه غياب الإرادة السياسية؟ ربما كانت الصدمة بحجم الملحّ من الحاجات والتطبيقات الفورية لا إلى عناوين ضرورية لكنها تبقى خاضعة لقاعدة “الأهم أبدى من المهم”.

يطالب المسؤولون بفرصة لتأكيد ما تحوّل من بعض النوايا الى حسن. حسنا بمهل جديدة قد تبدأ فور إكتمال عقد “حكومة العهد الأولى”، لكن لا مانع من ولادة مبكرة تعيد بعضا من روح إلى بلد كثرت فيه الشائعات والإنتقادات والتلفيقات على قياس بعض الأجساد “اللبّيسة”.

في زمن التناحر على الأحجام لا على هموم الناس، كيف السبيل الى ولادة “حكومة وفاق وطني”؟ في السياسة، تقاطعات تتيح تبدّل التحالفات والمواقف بين لحظات وأخواتها. فليكن إذا للمهمة المستحيلة التي يقودها الرئيس المكلّف سعد الحريري كل الفرص في جمع شمل مَن فرقتهم آليات التنفيذ، ولتولد حكومة بوجوه جديدة، تحت أي من التسميات، لأن لبنان في حاجة إلى صدمة إيجابية تتيح له متنفسات إضافية لن تكفيها زحمة اللبنانيين في مطار بيروت، طالما خلت من السياح الخليجيين. ولآليات شروط “سيدر” الإصلاحية ونصائح “ماكينزي” المبرمة، موعد آخر قد يضربه تحسن إقليمي طارئ، لا همّ إن هبّت نسائمه من سوريا أو اليمن أو من ترسيم نهائي لـ”صفقة القرن”.

متى ولادة الحكومة؟ يُقال إن هذا الأسبوع قد يكون حاسما. ففي جعبة الرئيس الحريري العائد قريبا تشكيلة قد ترضي الطامعين بأكثر من حصصهم. المهم أن يلتفت أحد الى حصة اللبنانيين من عيش كريم لا ينغصّه فساد، ولا تلفحه روائح نفايات، ولا تعكّر صفوه صفقات مشبوهة تزيد ثروات الأغنياء وتمعن في إفقار الفقراء… فهل ستحلّ الصدمة الإيجابية أم سيبقى توصيف الرئيس نبيه بري هو السائد لأن الوضع “كتير سلبي”؟


152353

رادار