ميركل… ماذا فعلتِ في بيروت؟ بتوقيع فيوليت غزال البلعة

June 25, 2018

وكأنه كان ينقص لبنان الغارق في وحول “حكومة العهد الأولى”،  ضغوط إضافية على شكل “تنبيهات” تنهش في بنية إقتصاده المنكهة بقاياه تباطوءا غير مسبوق، بفعل طغيان الأحمر من المؤشرات، رغم جرعات تفاؤل يسعى الجميع إلى إضفائها غصبا عن الواقع.

وكأنه كان ينقص لبنان أن يهتزّ على مضمون تقرير دولي ليعيَ أن إقتصاده بات على حافة الهاوية، وليبدو أن السلطة إفاقت فجأة بعد تلهيها عما يواجه شعبها يوميا من قهر في تحصيل لقمة عيش لسدّ أفواه جائعة، وإلتزامات معلق سدادها، وأحلام برفاه وترفيه يبقى منفسا وحيدا وسط الضائقات.

هو واقع أليم تنبّه إليه لبنان وإن متأخرا فيما يغرق العالم في فنجان “صفقة العصر” التي يرغب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أن تكرّس حلّ النزاع الفلسطيني الإسرائيلي نهائيا خلال عقده الرئاسي، ليعيد بذلك ترسيم منطقة الشرق الأوسط الجديد، بعد إنكفاء سلفه باراك أوباما الذي فضّل إرساء تسوية “الإتفاق النووي” وغلّبها على خيارات عسكرية فتحت شهية “الربيع العربي” على دمار شامل في بنية ما زاره من دول.

“صفقة القرن” ألهبت الحركة الديبلوماسية في المنطقة وتسبّبت بزحمة لقاءات: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأردن، مستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنر في مصر، مندوب السلطة الفلسطينية صائب عريقات في الأردن، الملك الأردني عبدالله في أميركا للقاء عاجل مع ترامب، وترامب يطلب من السعودية ودول الخليج نحو 2 مليار دولار لبناء مطار وميناء بحري في غزة، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في الأردن ومنه إلى لبنان…

كثر سألوا: “ماذا فعلت ميركل في بيروت؟ وعلامَ حصلت في اليد التي أعطت فيها نصف مليار دولار؟”. قيل إن الزيارة “إقتصادية” وهدفت إلى دعم الإقتصاد اللبناني وأزمة النازحين. فالوفد المرافق ضمّ مجموعة نواب وكبار رجال أعمال الصناعة الألمانية. وما أشيع أوحى بأن ميركل مهتمة بمساعدة لبنان في الإيفاء بإصلاحات “سيدر” لقاء إلتزام الدول المانحة وعودها، إلى سلسلة دعم تبدأ بمشروع إستهداف الفقر الذي إرتفعت معدلاته ودعم تنفيذ الإطار الإستراتيجي الوطني للتعليم والتدريب المهني والتقني.

بدت تغريدة رئيس الحكومة سعد الحريري كافية لإيجاز ما أرادت بيروت إعلانه: “إستعرضنا رؤية الحكومة اللبنانية للإستقرار والنمو وفرص العمل التي طرحناها في “مؤتمر سيدر” بباريس لمواجهة التحديات الإقتصادية والإجتماعية الكبيرة. لقد طلبت من المستشارة ميركل دعم ألمانيا لتنفيذ هذه الرؤية”. وللعلم فقط، لا تزال دراسة الإستشاري “ماكينزي” تنتظر ولادة خطة لإستنهاض الإقتصاد من كبوة طال أمدها.

ميركل “الكتومة” بدت مستمعة أكثر وبإقتضاب لافت، أكدت تمسكها بالموقف الأوروبي الذي يربط ما بين الحل السياسي في سوريا وعودة النازحين. سعت إلى إيجاد نقاط مشتركة بين الموقفين اللبناني والأوروبي من ملف النزوح. فهي تريد للبنان إبقاء أبوابه مفتوحة إلى حين إتمام “صفقة العصر” لتحديد المناطق الآمنة وربما “النهائية” لبعض العرقيات والأتنيات والأقليات في المنطقة.

بكلام آخر، سيبقى ملف اللجوء ضغطا يثقل صدر إقتصاد يرزح تحت صدمات متتالية، كان آخرها تقرير “بعثة المادة الرابعة” في صندوق النقد الذي هزّ الشِباك اللبنانية دون ضمائر المسؤولين، حين أكد للمرة الألف “ضرورة ضبط الدين العام بشكل فوري وكبير”، فيما حذّرت وكالة “موديز” من خفض تصنيف لبنان “إن استمر إنخفاض دفق الودائع وزادت مخاطر حدوث أزمة في ميزان المدفوعات”، ولن ترفع تصنيفه “إلا إن حقق الإصلاحات المالية إستقرارا يتبعه تغيير في مسار الدين قابل للإستمرار طويلا”.

فلمَن كان التحذير والحكومة لا تزال قيد الإنشاء؟ وماذا في جديد مطالبة لبنان بضغط عجزه المالي تحسبا لتفاقم تنامي المديونية إلى ما يفوق عتبة الـ150% من الناتج المحلي الإجمالي؟

في القراءة المفيدة، يتبيّن بوضوح أن التقرير الأخير لصندوق النقد هو نسخة عما أصدره نهاية شباط/فبراير الماضي، حين إستوقفت “الرسالة” السلطة السياسية دون أن تشغل بالها لوقت طويل بسبب إنغماسها في تحضيرات الإنتخابات النيابية..

نادرا ما ينسخ صندوق النقد تقاريره… لكن ما العمل إن بقي “فالج” لبنان خارج قيد المعالجات؟ حار الصندوق طويلا في إنتقاء عبارات تقرير المادة الرابعة، طالما بقي المضمون ثابتا على توصيات لم تجد آذانا صاغية: التثبيت الفوري لأركان السياسة المالية عبر خطة ضبط تستهدف إستقرار نسبة الدين للناتج المحلي ثم وضعها على مسار تراجعي واضح. ضبط مالي فوري وكبير هو ضروري لتحسين القدرة على خدمة الدين، وهو ما سيتطلب إلتزاما سياسيا قويا ومستداما. وفي النمو، بقيت المعدلات أسيرة الـ1 والـ1.5%، لأن المحركات التقليدية تقبع تحت ضغط في ظل الأداء الضعيف لقطاعي العقارات والإنشاءات، مع إستبعاد أي إنتعاش قوي قريبا.

يدرك اللبنانيون أن العلاج هو بالإصلاحات: رفع ضريبة القيمة المضافة وكبح أجور القطاع العام وخفض دعم الكهرباء تدريجا. الوضع الإئتماني يعكس عبء الدين الكبير جداً، وتدني مستوى المتانة الإقتصادية يعكس تواضع مستويات دخل الفرد وضيق آفاق النمو والقابلية للتضرّر من صدمات خارجية.

بعد شهر على التكليف، لا تزال حكومة الحريري تبحث عن هوية سياسية لا إقتصادية. لا هامش متاحا مع بدء موسم الصيف الذي وإن دفع النمو تعويضا، تبقى الحاجة إلى محركات حقيقية مستدامة تكفل دوران عجلة الإقتصاد.

ميركل… ماذا فعلت في بيروت؟ من الحسن أن تكون أبلغت الرسالة: لا أموال من “سيدر” بلا إصلاحات.


146244

رادار