مامودو والفرج. بقلم مارون البلعة

May 30, 2018

غالبا ما يسرق الأطفال وهج الحضور في المناسبات كافة، فكم بالحري اذا كان احدهم يتدلى من على حافة شرفة منزله، حيث تبدو العيون شاخصة اليه والأفئدة تتوقف عن الخفقان. وحده مامودو، المهاجر الافريقي الذي نسي مآسي بلاده وواقع حاله في عاصمة الذوق والاناقة باريس، هبّ يتسلّق الطوابق الأربعة بيديه العاريتين كأنّه والطفل نسيا مشاعر الخوف وأصبح همّه فقط إنقاذه.

وفي لحظات معدودة سرق هذا النجم الشاب البطل، الوهج والأنظار ليس من الشارع المكتظ فحسب، بل من الرأي العام الفرنسي الذي أفضى بدوره الى منح هذا المهاجر الجنسية الفرنسية من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، بالطبع مع بعض التوصيات التي يتمتع بها مهاجرون عرب وأفارقة آخرون عاثوا فسادا وإرهابا في الديار الفرنسية.

حجب هذا الحدث بعض الشيء زيارة غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الى فرنسا، الذي يحاول كما هذا المهاجر، انقاذ لبنان من الوقوع من على حافة الإنهيار الى قاع الجحيم. هو الذي حثّ المجتمع الدولي والحكومة الباريسية على الدفع في الإسراع في تشكيل الحكومة اللبنانية التي ستُشرف على الإصلاحات الضرورية والمطلوبة لإنقاذ الوطن، والحصول على المساعدات والمليارات الأحد عشر التي يطالب بأن يكون من ضمنها مساعدات للمدارس الخاصة، لا سيما الكاثوليكية فقط، في ما خص الدرجات الست للأساتذة، كما مساعدة الطلاّب اللبنانيين وليس السوريين الذين شابت مساعداتهم المالية شوائب تم لملمتها مع بعض المتطرّقين اليها.

كذلك بحث وضع مسيحيي الشرق مع الساسة الفرنسيين الذين من حيث المبدأ، لم يعيروا مسبقا الكثير من هذا الاهتمام، فكانت المحصّلة القلّة القليلة الباقية في هذا الشرق الحزين. مع التمني بالطبع الإسراع في عودة النازحين السوريين قبل ان يقضي القانون رقم 10 على أي امل في عودتهم، ما يُشجع على توطينهم، فيعززّ بالتالي نظرية الشعب الواحد في بلدين. أسرّ الاعلام اللبناني بأن صاحب الغبطة تأبّط ملفا مفصّلا عن الوضع المزري في لبنان، وعن تفاصيل قضايا عديدة عالقة، ولربما من ضمنها ما كان صرّح به من القصر الجمهوري بعيد لقائه الرئيس ميشال عون بأن وضع البلد مفلس. يذهب بعض المتابعين للملف الداخلي، الى التلويح بأن العلاقة بين الكنيسة ورأسها وبعض الأطراف اللبنانية ولا سيما المسيحية منها، تشوبها بعض الشوائب رغم بعض الزيارات الى دار الصرح وليس الى قاعة كنيسة السيدة التي اعتادت زمن البطريرك صفير بأن تغصّ بهم قبل أن يغصّوا بها.

أجاب الرئيس ماكرون الصحافية الفرنسية عندما سألته عن مكانة فرنسا اليوم وعن تأثيره كرئيس على ما يجري على الساحة الدولية، فأجابها عن تحرير الرئيس سعد الحريري من الاحتجاز القسري في المملكة العربية السعودية، وانقاذ لبنان من براثن الحرب الأهلية مجدّدا. والساسة الفرنسيون بالتحديد، هالهم كيف ان المسؤولين اللبنانين أتوا الى مؤتمر “سيدر” في طائراتهم الخاصة للاستدانة واعدين المجتمع الدولي والفرنسي بالبدء في الإصلاح ومكافحة الفساد.

تابع كثيرون عبر شاشات التلفزة الغربية والعربية كيف ان رئيس الحكومة الإيطالية الجديد زار رئيس جمهورية بلاده مستقلاّ سيارة أجرة عادية، كما تناولته الشاشات وهو يجرّ حقيبة السفر خاصته بيده سيرا على الاقدام، والعارفون يدرون بوضع إيطاليا الاقتصادي الدقيق.

كثيرة هي مشاكل الدولة اللبنانية العاجزة وشعبها المغلوب على ارادته، وتتكرّر لسنوات من دون أي نيّة بالحل. لكن المجتمع الدولي والمحلي يتوجس خيرا من الاجماع المحلي على الإسراع في تشكيل الحكومة كما يشيّع دولة الرئيس الحريري، والمضي في الإصلاح ومكافحة الفساد كما يعلن الثنائي الشيعي و”حزب الله” بالتحديد.

فهل ستأتي الخواتيم على غرار قصة المهاجر مامودو الذي أنقذ الطفل؟ أو سنجرّ حقائبنا بيدنا سيرا نحو إيطاليا وفرنسا للبحث عن منقذ يقينا السقوط من على حافة الانهيار؟ فالفرج الذي ننتظره من المفترض ان يأتينا من اهل الدار، لأن المهاجرين والنازحين نطالب بإخراجهم وعودتهم الى ديارهم. فمن اين سيأتي الفرج؟


134634

رادار