هل يعاقب لبنان مع “حزب الله”؟ بتوقيع فيوليت غزال البلعة

May 21, 2018

هي مرحلة غير مسبوقة. فأميركا – ترامب أطلقت العنان لغضب تصبّه عمدا على “زغل” نووي إيراني، تجهد طهران لتكريس ترجمته الحرفية في “هلال خصيب” يمتدّ من بلاد المنشأ حتى بلاد الشام وما يحوطها.

هي عقوبات قاسية ومتتالية نقلتها لوائح وزارة الخزانة منذ زمن، وتوّسع إطارها أخيرا ليشمل شخصيات ومؤسسات ومصارف جديدة، وتخلص إلى تجميد الأصول والممتلكات وتحرّم قطعيا التعامل مع المدرجين على لوائح “أوفاك”.

تلقفت طهران بسرعة الطوق الذي يشتدّ حول عنقها. فمن موسكو، سمعت ما لا يرضيها من دعوات إلى إخلاء سوريا. هي ليست وحدها في بيت القصيد، بل تمتدّ الحملة الى “حزب الله” المحسوب عليها ذراعا عسكريا يدعم السياسات ويتبنّى الشعارات. وها هي تحاول اليوم لملمة الضغط على مصرفها المركزي بتغيير الشخصية لا السياسة التي إعترضت عليها واشنطن وترجمتها بإنسحابها من الإتفاق النووي، والتي تسعى إلى القضاء على مصادر تمويل الإستراتيجية الدفاعية الإقليمية لتمويل الحرس الثوري الإيراني.

لن تتأثر طهران بالعقوبات، فهي معتادة عليها منذ عقود. لكن توريط محافظ البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف، في تحويل أموال لـ”حزب الله” بالنيابة عن الحرس الثوري الإيراني، لن يمرّ بسلاسة لرغبة أميركية في معاقبة كل مصرف وفرد ينقل المال للحرس الثوري، لكنها ستبقى عاجزة عن مواجهة “السبل البديلة” التي قد تلجأ إليها طهران.

إنهيار التومان الإيراني في الـ2017 هو نقطة الإنطلاق لعقوبات مستقبلية ستفرضها واشنطن بدءا من 7 آب/أغسطس على الأفراد والشركات التي تبيع أو تشتري أوراقاً نقدية بالدولار مصدرها البنك الإيراني المركزي. وثمة عقوبات آتية بدءا من 5 تشرين الثاني/نوفمبر على الذين يقومون بأغلبية التحويلات مع البنك الإيراني.

“ما زلنا في أول الطريق… التصعيد ماشي في المنطقة”. هكذا علّق أحد السياسيين اللبنانيين على ما يدور خلف الكواليس. بيت القصيد يتعلق بكيفية قراءة “حزب الله” لمعادلة جديدة، أطلقتها وموسكو وربما تتبناها واشنطن. والأهم المرتقب، هو الترجمة في لبنان، حيث أقرب الإستحقاقات سيكون تشكيل حكومة ما بعد الإنتخابات. كلام كثير يُقال حول مشاركة الحزب: رغبة أكيدة كشفها الأمين العام السيد حسن نصرالله بوجود قوي ومشاركة فاعلة وفي وزارات سيادية وخدماتية، أو عجز عن إشراك “مدرجين” على لوائح العقوبات تفاديا لإحراج رسمي سيواجه لبنان عاجلا أم آجلا. ليست سهلة الأمور القادمة. وربما لهذا، تسارع حكومة “إستعادة الثقة” إلى إستغلال ما تبقى لها من “صلاحية” لتهريب ما أمكنها إستكمالا لهندسة واقع إحكام قبضة تحالف سياسي على القرار المحلي.

اليوم، تعقد حكومة الرئيس سعد الحريري آخر جلساتها على وقع تصميم على إمرار تعيينات إدارية لتلتحق بقافلة “إنجازات” أُقرّت أخيرا، بما يوحي وكأن ثمة عجلة من أمر ما، وخصوصا إن تعلّق الأمر بملفات عالقة لأكثر من عام.

ففي القرارات التي أقرّت الأسبوع الماضي، بنود في ملف الأملاك البحرية لإنشاء مجمعات سياحية جديدة رُفضت من حكومات سابقة بسبب التجاوزات وحاجة القانون إلى تغيير. وعلى ذمة مصادر، فان مشروع “دريم باي ذا سي” المزمع انشاؤه على شاطىء جونية ومجمع سياحي آخر على شاطىء الناعمة وثالث في ساحل المتن الشمالي، ليس سوى تمريرات لقوى سياسية وبينها التيارين الأزرق والبرتقالي.

ولم يمرّ مشروع إنشاء الجامعة الارثوذكسية إلا مقابل إقرار إنشاء فروع لجامعات أُخرى. وفي ملف الكهرباء، تمّ التمديد لباخرتي “فاطمة غول” و”أورهان باي” لمدة سنة خلافا لمطلب وزير الطاقة بالثلات سنوات. وقبل البدء بعمليات الإستكشاف والتنقيب عن الغاز في المياه البحرية، أقرّ انشاء 3 محطات للتغويز (إستقبال الغاز السائل) في طرابلس وسلعاتا والزهراني مع تحفظ وزراء “القوات اللبنانية”. وأُقرّت تعديلات على النموذج الأوّلي لعقد شراء الطاقة المنتجة من الرياح مع الشركات الثلاث التي قُبل عرضها في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

سلة قرارات تؤشر وكأن الجميع يدرك أن حكومة ما بعد الإنتخابات لن تولد قريبا، بفعل الضغوط على “حزب الله”، بدءا من العقوبات الأميركية والخليجية التي توالت لتعد بشمول كل مَن يرتبط به، فيما سُرّب أن المحكمة الدولية الخاصة بإغتيال الرئيس رفيق الحريري تتجه لإتهام شخصيات سياسية بينها نصرالله نفسه وربما الرئيس السوري بشار الأسد، إستنادا إلى أدلة وبيانات تؤكد تورّط الشخصيتين البارزتين في الحزب وفيق صفا وحسن خليل المشمولين أخيرا بالعقوبات. فكيف سيتمّ توزير مسؤولي “حزب الله” في حكومة يعتبر الرئيس ميشال عون أن عهده الرئاسي يبدأ معها؟

لن تكون العقوبات سوى خطوة أولى في مسيرة الألف ميل من التضييق الذي أقفل الباب أمام التمييز ما بين جناحي “حزب الله” العسكري والسياسي، بما فيه مجلس الشورى بفروعه كافة.

وفي الوقت المستقطع، لا يتنبّه أحد إلى ما نبّهت منه وكالة “فيتش” للتصنيف الإئتماني، مما يواجه لبنان من تحديات جيوسياسية ومالية بعد “إنتخابات لم تحدث تغييرا جوهريا في الوضع القائم. فالنتيجة تظهر أن عملية صنع السياسات ستبقى مقيدة في ظل النظام السياسي القائم على أسس طائفية”. وهذا مؤشر إلى إستمرار أزمة الإقتصاد بقدرة القادرين على الحكم في الداخل وعلى التحكم من الخارج الذي يبدو وكأنه يعاقب لبنان على “حزب الله”.

مجددا يعود لبنان إلى دوامة اللإستقرار بما يهدّد وعود “سيدر” وإصلاحاته، وكأنه لم يفد من فرصة أتاحتها إنتخابات كانت واعدة بإحداث تغيير جذري في المسار العام. ألم يُعرف لبنان بأنه بلد الفرص الضائعة؟


129912

رادار