لأنّها عائلتي… بقلم أنطوان العويط

June 26, 2020

لم تكن عائلتي يوماً إلاّ ذاتها. هي هي. تاريخُها تاريخٌ. كتبُها كتبٌ. ألمُها ألمٌ. جبينُها جبينٌ. كرامتُها كرامةٌ. عِزّتُها عِزّةٌ. عنفوانُها عنفوانٌ. شرفُها شرفٌ. نقاؤُها نقاءٌ. كرمُها كرمٌ. انفتاحُها انفتاحٌ. صداقتُها صداقةٌ. طيبتُها طيبةٌ. صبرُها صبرٌ. ترفُّعها ترفّعٌ. طحينُها طحينٌ. إنجيلُها إنجيلٌ. قرآنُها قرآنٌ. وحبُّها حبٌّ.
عائلتي، ومنها من حملَتهم الملائكةُ إلى العلى فوقَ سلطانِ الألمِ والموتِ ودخلوا الأخدارَ السّماويّةَ، هي أيقونةٌ نفخَ فيها داود الأب، الشيخ الأنوف الرقيق اللطيف السخيّ الأنيق الأبيّ الحنون العصاميّ المتواضع المؤمن، ووداد الأم، بقوّةِ الروح وصلابةِ الإرادة ورغبةِ المعرفة والانفةِ الخَفِرة ورفقةِ مريم، مع شظفِ العيش وخبرةِ الشوك وبالخبزِ والزيتون، ومعاً، خميرةَ البيت المجبول بمعاييرِ الأصالة وكِبرِ النفس والرأسِ العالي.
أغدقت الأختُ هنريات عليها عائلتي، في حياتِها، شجرةَ القصيدة وفي عشقِها الشجرة، تتّكئُ الأوراقُ على ذاتِها وعلى العائلةِ متهامسةً أناشيد الحفيف. كانت ملجأً وقتَ الشِدّة وحكمةً وقتَ الارتباك ويداً ممدودة وقلباً عظيماً. أمّا العم ميشال فكان قد أسبغَ عليها عائلتي، العطايا الروحيّة والإنسانيّة والوطنيّة. وهو، المطبوع بالثقةِ، الممهورُ بالمسؤوليّةِ، المدموغ بالجديّةِ، المختومُ بالالتزام، رفعَ صليبَه وكنيستَه بصمتِ الأمانةِ على الأسرار وعهدِ العودةِ إلى الينابيع، وهكذا هلّلَ للقاءِ سيِّدِه يسوع ولطالما صادَقه.
عائلتي، منها الأخوات والأخوة ووبنات وأبناء الأشقّاء وشقيقات وشقيق امرأتي، وعوائلهم، مِمَّن وبنشوةِ الانسياب، يحتفلُ الينبوعُ معهم بلغةِ الحياة وقد حملوا مشعلَ الرسالة من أجلِ صقل العقول وتقديس الوطن والأسرة والمرأة.
هنري وانطوانيت – مريم النور وعقل وشارل وشارلوت وميشلين، في طفولتي عجنوني بالحنوّ. في مراهقتي أتوا لي بسقفٍ من صنع السماءِ معرفةً. في شبابي زرعوا فيّ القيم. ببحبوحةٍ من صفاءِ خدمةِ الآخر ولبنان، وبالتجرّدِ والودِّ، لا يزالون. صغيرُهم أبقى وعظيم فضلهم تعليمهم أن أحبّ وكيف أحبّ، لأقيم عائلة بالحبّ…شقيقاتي وأشقّائي.
عائلتي الكبرى، هي فسيفساءٌ من قمح منثورٍ لعصافير الربيع، أرنو إليها كلّما زادَ التوحّشُ في هذا العالم، ليس بسببٍ من رابطةِ الدمّ إنّما، نشداناً لوطنٍ من دونهِ أعتمرُ قبّعتي غربةً.
لا يجمعني بها سقفٌ واحدٌ عائلتي الكبرى، فمنها من التحفَ السماء. ومنها من جابَ على بساط ِريح المغتربات. ومنها من انتشرَ على المساحةِ اللبنانيّة هنا وهناك وهنالك. لكنّها كيانٌ من عقدِ بيتٍ لبنانيّ، عند حجر زاويته تلتئمُ رزمةٌ من جدتيْن وجديْن وعمّتين وأعمام وخالات وخال، وبنات وأبناء عمّات وأعمام وخالات وخال، وأهلُ امرأتي صونيا، وأهل المحبّة بريسيلا برابط مع ابني رواد وأهل الحبيبة داليا برابط مع ابني جاد، وعوائلهم مجتمعين، ومعُهم قريتي الوادعة وحفنة منتقاةٌ من أصدقاء ومن أعمل معه ومعهم.
أمّا عائلتي الصغرى، فقد قال تعالى فيها في سورة النحل “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً “…كان ذلكَ حين، على يدِ العمّ ميشال في نيويورك، وعلى مذبح تجلّى سرُّه في انجيل متّى “إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ، فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ”، وفي السادس والعشرين من حزيران العام 1984، بدأت رحلتي مع صونيا التّي، جهادُها نضالٌ وكفاحُها فجرٌ وعطاؤُها تضحيةٌ وبيدرُها قمحٌ وعجينُها خبزٌ وفرادتُها دليلٌ وشمسُها حياةٌ وقمرُها بدرٌ وينبوعُها أزليٌّ.
لم تكتفِ صونيا يوماً بوسع البحر حبّاً. لا ميناءَ لفرادتِها. لا توازيها امرأة أو زوجة أو أمومة. “الست” كما يناديها المحبّون، فتَحَت لي أبجديّةَ التوق والولهِ والولع والعشقِ والهيام والوجدِ والشغفِ، ومعجمَ الرياحين والأحلام والأمل، وبوصلةَ المثابرة والنقد والأبوّة، وريشةَ القصيدة إن تاهت تعيدُها كالابنِ الضال إلى هواءِ البيت، لأنّها قصيدة. هكذا كانت قبل 36 عاماً وهكذا تبقى.
تُنشدها الأغنيةُ أمّي يا ملاكي، هي التّي تحتَ جَناحيْها وقبلَ صياح الديك، بوداعةِ الحملان وخفر الراعي، خفَّفَت عن بيتر الحفيد ويارا الابنة وبريسيلا ورواد وداليا وجاد ثقلَ الأيام، مضمّدةً كلّ جرحٍ، طاردةً كلّ انقباض، ساترةً كلّ وجوم، حاضنةً كلّ تعب. لا سأمَ لا تأفّفَ لا كللَ ولا ملل.
كيف لا وهم يأتون إليها وإليّ، بيتر ويارا وبريسيلا ورواد وداليا وجاد، نبضاً يعاندُ نزيفَ قلبيْنا على وطنٍ مغتصب، وخفقاً يصبر في شراييننا المشلّعة على إنسانٍ يئنّ. وعندما يُقبلون كما اختار لهم بيتر الطريق، وتماماً كما بين ثنايا أحضان جديْهِ وجدّتيْهِ وعمّه وعمّتِه وخالتِه وخالِه لأمّهِ وأبيه، يُمسي البيتُ مرتعاً للحساسين وروضة للفرح ومرجاً للتصوّف وحقلاً لشذا البساتين وميداناً لعبق الحبق.
عائلتي طفل اسمه بيتر، هو أميري وسيّدي ومولاي، وهو هو مع صونيا ويارا وبريسيلا ورواد وداليا وجاد، جعلَ بيتي قلعةً لا أنواءَ ولا عواصفَ ولا أعاصيرَ تقوى على الحبِّ فيه. لأنّه حبّ ولأنّها عائلتي، وهي حبٌّ وحبٌّ وحبّ.


نقل مباشر

    رادار