انتقادات لاذعة للبنان في تقرير “هيومن رايتس ووتش” لعام 2020

January 15, 2020

قالت “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها العالمي 2020 إن السلطات اللبنانية تتقاعس عن معالجة الأزمة الاقتصادية والسياسية الخطيرة في البلاد والتي تهدد حصول المواطنين على الخدمات الحيوية، من ضمنها الرعاية الصحية. تقاعست القوى الأمنية أحيانا عن حماية المتظاهرين من الهجمات العنيفة للمتظاهرين المناوئين لهم.

وجاء في تقرير هيومين رايتش ووتش المفصّل حول لبنان ما يلي:

أدى تدهور أوضاع الحقوق في لبنان في 2019 إلى انتشار الاحتجاجات ضد الحكومة في 17 تشرين الأول. استخدمت القوى الأمنية في بعض الأحيان القوة المفرطة وغير المبررة ضد المحتجين، في حين لم توقف الهجمات على المتظاهرين في حالات عدة.

لاحقت السلطات الأشخاص بسبب تعبيرهم السلمي، وفي بعض الأحيان قامت الأجهزة الأمنية التي كانت تحقق معهم بإساءة معاملتهم وحبستهم احتياطيا. لا تزال محاسبة التعذيب غائبة رغم إقرار قانون لمناهضة التعذيب.

ما زالت المرأة تعاني من التمييز في ظل وجود 15 قانونا مذهبيا منفصلا للأحوال الشخصية، كما أنّ زواج القاصرات والاغتصاب الزوجي ما يزالان قانونيَّين في لبنان. وبخلاف الرجل، لا تستطيع المرأة إعطاء الجنسية إلى أولادها وزوجها الأجنبي.

رغم إقرار قانون يحظر حرق النفايات في الهواء الطلق، يستمر الحرق بالانتشار، معرّضا حياة السكان للخطر.

هناك ما يقارب 1.5 مليون لاجئ سوري في لبنان؛ 73% منهم لا يملكون وضعا قانونيا. رحّلت السلطات قسرا أكثر من 2,500 لاجئ.

حرية التجمع وحرية التعبير

بدأت الاحتجاجات ضد الحكومة في 17 تشرين الأول بسبب الإعلان عن ضرائب جديدة. وسرعان ما تحول الاحتجاج إلى غضب عارم ضد المؤسسة السياسية بأكملها، التي يحمّلها المحتجون مسؤولية الفساد والأوضاع الاقتصادية المزرية. استقال رئيس الحكومة سعد الحريري في 29 تشرين الأول نتيجة الاحتجاجات.

في 18 تشرين الأول، أطلقت القوى الأمنية الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي على آلاف المحتجين السلميين في وسط بيروت. في مناسبات عدة، لم توقف قوى الأمن الهجمات على المحتجين السلميين، وفي بعض الأحيان استخدمت القوة المفرطة لتفريق المحتجين وفتح الطرقات عبر ضرب المحتجين بالعصي وأعقاب البنادق.

في 2019، واصلت السلطات احتجاز الأشخاص وتوجيه الاتهامات إليهم بسبب انتقادهم أداء المسؤولين، خاصة بما يتعلق بمزاعم الفساد، والمؤسسات الدينية. ولجأ محامون إلى قوانين تجرم القدح والذم للادعاء على أشخاص أو منشورات تعبر عن قلقها حول الوضع الاقتصادي في البلد.

استدعت الأجهزة الأمنية، ومنها “مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية”، نشطاء للتحقيق معهم حول خطابهم السلمي، منتهكة حقوقهم في بعض الأحيان، عبر انتهاك خصوصيتهم، واحتجازهم قبل المحاكمة، وإجبارهم على توقيع تعهدات بوقف انتقادهم.

يشكل التشهير برئيس الجمهورية اللبنانية أو الجيش أو انتقادهما جريمة يُعاقَب عليها بالسجن حتى ثلاث سنوات. كما يجرّم قانون العقوبات اللبناني القدح والذم ويعاقب عليهما بالسجن حتى ثلاثة أشهر، وحتى سنة في حالة المسؤولين الرسميين.

سوء المعاملة والتعذيب

رغم إقرار البرلمان قانون مناهضة التعذيب في 2017، يستمر التعذيب على يد القوى الأمنية، وتستمر السلطات القضائية بتجاهل أحكام القانون، بينما تبقى محاسبة التعذيب غائبة.

لم تحقق السلطات القضائية في ادعاءات حسان الضيقة، الموقوف بتهم متعلقة بالمخدرات، ضد عناصر من قوى الأمن الداخلي بتعرضه للتعذيب قبل وفاته في عهدتها في 11 أيار.

يزعم زياد عيتاني، الممثل المشهور الذي اتُّهم زورا بالتجسس لمصلحة إسرائيل، أن عناصر “أمن الدولة” عذبوه في 2017. رغم تقديمه دعوى ضد معذبيه المزعومين في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، لم يقم القضاء بأي شيء يُذكر في قضيته.

في 7 آذار، عيّن مجلس الوزراء اللبناني الأعضاء الخمسة في “لجنة الوقاية من التعذيب” وهي الآلية التي ترصد استخدام التعذيب وتحقق فيه، لكنها لم تخصص لها أي تمويل بعد.

المحاكم العسكرية

يستمر لبنان في محاكمة المدنيين، الأطفال ضمنا، في محاكم عسكرية، منتهكا حقهم بمحاكمات وفق الأصول القانونية والقانون الدولي.

في 7 آذار، حكمت محكمة عسكرية غيابيا على صحفيَّيْن بالسجن ثلاثة أشهر بتهمة إهانة جهاز أمني على “فيسبوك”. لدى الاستئناف في أبريل/نيسان، أعلنت المحكمة العسكرية عدم اختصاصها وأعادت القضية إلى المدعي العام العسكري.

حقوق المرأة

ما تزال النساء، اللواتي لعبن دورا رياديا في الاحتجاجات التي بدأت في 17 تشرين الأول، يعانين من التمييز في ظل 15 قانونا مذهبيا للأحوال الشخصية. ويشمل التمييز عدم المساواة في الحصول على الطلاق، وحضانة الأطفال، وحقوق الملكية. على خلاف الرجل، لا تستطيع المرأة اللبنانية إعطاء الجنسية لزوجها الأجنبي وأولادها.

لا توجد في لبنان سن دنيا للزواج، وبعض المحاكم الدينية تسمح بتزويج فتيات دون سن الـ15. لم يقر البرلمان مسودات قانون تحدد السن الدنيا للزواج بـ 18 سنة.

في 2017، ألغى البرلمان اللبناني المادة 522 التي تسمح للمغتصب بالإفلات من العقاب إذا تزوج ضحيته، لكنه ترك ثغرة فيما يتعلق بالجرائم المتعلقة بالجنس مع أطفال بين عمر 15 و17 سنة، والجنس مع الفتيات البكر مع وعود بالزواج.

أُقرّ قانون في 2014 حول حماية المرأة وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، ونصّ على تدابير هامة لحماية المرأة، وأدخل إصلاحات ذات صلة على صعيد قوى الأمن والقضاء. إلا أنه لم يجرّم كافة أشكال العنف الأسري، بما فيها الاغتصاب الزوجي.

التوجه الجنسي والهوية الجندرية

تجرّم المادة 534 من قانون العقوبات “كل مجامعة على خلاف الطبيعة” وتعاقب عليها بالسجن حتى سنة. في آذار، برّأ أرفع مدع عام عسكري أربعة عسكريين متهمين باللواط وحكم أن المثلية الجنسية ليست جريمة. ويأتي هذا الحكم بعد حكم ريادي مشابه أصدرته محكمة استئناف في تموز 2018، وأربعة أحكام من محاكم دنيا رفضت إدانة المثليين/ات ومتغيري/ات الجندر (الترانس) بموجب المادة 534 منذ 2007.

حظر الأمن العام دخول ستة أشخاص على الأقل بعد مشاركتهم في مؤتمر حول الجندر والجنسانية في أيلول 2018، وكان قد حاول وقف المؤتمر.

تواجه النساء الترانس في لبنان عنفا وتمييزا بنيويَّيْن في الحصول على الخدمات الأساسية، مثل العمل، والعناية الصحية، والسكن.

العاملات المهاجرات

نحو 250 ألف عاملة منزلية مهاجرة (أغلبية العمالة المنزلية من النساء)، بشكل رئيسي من سريلانكا، وإثيوبيا، والفليبين، والنيبال، وبنغلادش، مستثنيات من حماية قانون العمل.

يخضعن بموجب نظام الكفالة لقوانين تقييدية لا يمكنهنّ بموجبها السفر أو تغيير رب عملهن بدون إذنه، ما يعرضهن لخطر الاستغلال والانتهاكات.

وثّقت منظمات المجتمع المدني العديد من الشكاوى المتعلقة بعدم تلقي الأجر أو التأخر في سداده، والاحتجاز القسري، ورفض إعطاء وقت راحة، واعتداءات جسدية ولفظية. تواجه العاملات المنزليات المهاجرات اللواتي يسعين إلى محاسبة الانتهاكات عقبات قانونية وتحقيقات غير ملائمة.

في 5 أيار، نظمت العاملات المنزليات المهاجرات مظاهرة في بيروت للمطالبة بظروف عمل أفضل وإنهاء نظام الكفالة.

أنشأ وزير عمل سابق لجنة لتعديل قانون العمل اللبناني و”كسر” نظام الكفالة، لكن لم يتم الإعلان عن أي تعديلات بعد.

اللاجئون

هناك أكثر من مليون لاجئ سوري مسجل لدى “المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” (المفوضية) في لبنان. تقدّر الحكومة أن عدد السوريين الفعلي في البلاد هو 1.5 مليون.

تصعّب سياسات الإقامة في لبنان على السوريين المحافظة على الوضع القانونية، ما يزيد خطر تعرضهم للاستغلال والانتهاكات، ويحّد من قدرة اللاجئين على الحصول على العمل والتعليم والرعاية الصحية. 73% من السوريين في لبنان يفتقرون إلى الإقامة القانونية ويواجهون خطر الاعتقال بسبب وجودهم غير الشرعي في البلاد.

اتخذ “المجلس الأعلى للدفاع” عدة قرارات ضاعفت الضغط على اللاجئين السوريين في لبنان، بما في ذلك ترحيل السوريين الذين دخلوا لبنان بطريقة غير شرعية، وهدم مساكن اللاجئين، وحملة ضد العاملين السوريين الذين لا يحملون رُخَص عمل. في 26 آب، قال “الأمن العام” إنه رحّل 2,731 سوريا منذ 21 أيار، معرّضا إياهم لخطر الاحتجاز التعسفي والتعذيب. هذه التدابير القسرية تنتشر وسط خطاب كراهية يردده كبار السياسيين الداعين إلى عودة اللاجئين السوريين.

يقدّر الأمن العام أن أكثر من 170 ألف سوري عادوا إلى بلدهم من لبنان بين كانون الأول 2017 وآذار 2019. قال السوريون إنهم يعودون بسبب السياسات القاسية والظروف المتردية في لبنان، وليس لأنهم يعتقدون أن سوريا أصبحت آمنة.

بحسب “لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني”، يعيش نحو 174 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، حيث يواجهون القيود على الحق بالعمل والتملك. علاوة على ذلك، نحو 30 ألف فلسطيني من سوريا لجأوا إلى لبنان.

التعليم

أكثر من 300 ألف طفل سوري في عمر الدراسة لم يلتحقوا بالمدارس خلال العام الدراسي 2017-2018، غالبا بسبب عجز الأهل عن دفع تكاليف النقل، أو بسبب عمالة الأطفال، أو الشروط التعسفية التي يفرضها مديرو المدارس للتسجيل، أو غياب الدعم اللغوي. حتى منتصف تشرين الأول 2019، لم يكن قد بدأ التلاميذ السوريون دوام بعد الظهر في المدارس الرسمية. تردّ وزارة التربية ذلك إلى النقص في التمويل من المانحين.

غالبا ما ترفض المدارس قبول الأطفال ذوي الإعاقة ولا تتخذ معظم المدارس أي خطوات معقولة لتأمين التعليم الجيد لمن يتمكن منهم من التسجيل.

رغم حظر لبنان للعقاب الجسدي في المدارس، غالبا ما يتم تجاهل هذا الحظر بسبب عدم محاسبة المنتهكين.

البيئة والصحة

رغم إقرار قانون إدارة النفايات الصلبة في 2018، والذي يحظر حرق النفايات في الهواء الطلق، تستمر البلديات بهذه الممارسات، معرِّضة حياة السكان للخطر، لا سيما الأطفال والأكبر سنا. الحرق في الهواء الطلق أكثر انتشارا في المناطق الفقيرة.

في 27 آب، دعمت الحكومة خارطة الطريق التي قدمتها وزارة البيئة لإنشاء 25 مطمرا صحيا وثلاث محارق. غير أن الحكومة لم تتفق على كيفية معالجة أزمة النفايات التي تلوح في الأفق مع وصول المطمرين الأساسيين إلى سعتهما القصوى.

إرث النزاعات والحروب الماضية

اختُطِف أو “اختفى” نحو 17 ألف لبناني خلال الحرب الأهلية من 1975 حتى 1990. في 12 تشرين الثاني، أقرّ مجلس النواب قانونا مهما لإنشاء هيئة وطنية مستقلة للتحقيق في مصير المفقودين.

في 29 آب، رشّحت وزارة العدل عشرة أشخاص للهيئة. لا يزال ترشيحهم ينتظر موافقة الحكومة.

الأطراف الدولية الرئيسية

ما يزال نفوذ سوريا وإيران والسعودية قويا على السياسة اللبنانية من خلال حلفاء محليين.

تصاعدت حدة التوتر بين “حزب الله” وإسرائيل بعد سقوط طائرتين إسرائيليتين مسيّرتين في الضاحية الجنوبية لبيروت في 25 آب.

قدم المجتمع الدولي إلى لبنان دعما كبيرا، وإن كان غير كاف، لمساعدته في التعامل مع أزمة اللاجئين السوريين ولتعزيز الأمن وسط امتداد العنف.

كما يحصل الجيش والقوى الأمنية على مساعدات من عدد من المانحين الدوليين، منهم الولايات المتحدة، و”الاتحاد الأوروبي”، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والسعودية.


رادار