حوار مُتخيَّل بين ترامب وروحاني

May 18, 2019



يوم الأربعاء الماضي أبدى ترامب، على حسابه في تويتر، ثقته بأن إيران سترغب قريباً في إجراء محادثات مع إدارته. الثقة تزامنت مع أخبار عن سيناريوهات قدّمها البنتاغون لمواجهة احتمالات التصعيد، إلا أن ترامب الذي اعترف بوجود اختلافات ضمن إدارته أبلغ وزير دفاعه بالوكالة عدم نيته خوض حرب، وأكد على أن القرار يعود إليه وحده. من جهتها، أكدت طهران في الوقت نفسه على اتباع سياسة “لا حرب ولا مفاوضات”، مع استعداد يُراد إبرازه لمواجهة الاحتمال الأول، وعدم توفر معلومات عن استعداد موازٍ للاحتمال الثاني، رغم أن التكهن بوجوده لا يعوزه المنطق.

قبل أيام أيضاً كان قد تسرب خبر إرسال ترامب رقماً ليستخدمه الإيرانيون في الاتصال به عبر الوسيط السويسري، وحركة الوسيط لم تتوقف في الآونة الأخيرة على الجانبين. المعطيات المتوفرة جميعاً تنبئ برغبة ترامب في عقد مفاوضات عاجلة، هاجسه الأقوى في استعجالها هو تسجيل نجاح ضخم لسياسة العقوبات، للقول بأنه نجح في جر الإيرانيين تحت الضغط. وإذا كان مجرد بدء المفاوضات سيُعدّ انتصاراً لترامب فهذا ما لا يود حكام طهران منحه إياه سريعاً، لا بالطريقة التي يشتهيها، ولا بأية طريقة تظهر مباشرة انصياعهم للضغوط الاقتصادية، أو رضوخهم للتهديدات العسكرية الأمريكية التي تهدف إلى الردع أكثر مما تنطوي على نوايا هجومية.

مع ذلك لا بأس إذا أطلقنا العنان لأفكارنا، وتخيلنا نجاحاً سريعاً لترامب في جر الملالي إلى المفاوضات. ما يناسب مزاج ترامب هو عقد لقاءات قمة، لأنه ليس من طينة أوباما الذي كلّف موظفي خارجيته بمفاوضات طويلة وصبورة لإنجاز الاتفاق النووي، ولم يسعَ في النهاية إلى إبرامه مع مصافحة “تاريخية” أمام العدسات. الوسيط السويسري مستعد للتواصل في ما يخص تفاصيل انعقاد القمة، ومن ثم استضافتها، ورغم كونه مكاناً شبه تقليدي لاستضافة المؤتمرات إلا أنه يناسب مزاج ترامب ويرضي بحياديته حكام طهران.

ستظهر أثناء التحضير للقمة تفاصيل تنذر بفشل الفكرة، مثلاً قد يقرر روحاني اصطحاب أحد قادة الحرس الثوري ضمن وفده، رداً على وجود جاريد كوشنر في عداد وفد ترامب، وتسرّب طهران الخبر للإعلام للمتاجرة برفضها حضور الصهر “اليهودي”. لكن من المحتمل جداً التوصل إلى حل يقضي بعدم حضور كوشنر جلسة القمة، لأن ترامب نفسه وجد من الأنسب إبعاد صهره لئلا ينصرف اهتمام الإعلام إلى صلة القرابة بينهما. قد يوعز ترامب إلى منسقي المفاوضات بطرح مسودة بيان ختامي طموح، فيطلب نظراؤهم الإيرانيين مهلة لاستشارة المرشد، وبعد أيام يأتي الرد بالرفض وضرورة ترك مسألة البيان لمجريات القمة نفسها، إلا أن ذلك لن يوهن في عزيمة ترامب إذ سيراهن على ممارسة تأثير شخصي على روحاني يدفع الأخير إلى عدم التقيد التام بتعليمات خامنئي.

مع بدء القمة سيتفحص ترامب روحاني من الأعلى إلى الأسفل، ويستهل حديثه بالإطراء على جوارب روحاني، فيجيب الأخير جاداً بأنها صناعة إيرانية مئة بالمئة مذكِّراً بالتاريخ العريق للحضارة الفارسية، التاريخ الذي لم ينقطع إلا مؤقتاً بسبب سيطرة “البرابرة من شاربي بول البعير”. ولن تسمح له رصانته بشيء من المرح المقابل، فضلاً عن أن تبادل عبارات الإطراء مع الأمريكيين مرفوض من قبل المرشد. هذه البداية غير المتكافئة لن تثني ترامب عن القول أنه يحس بأن العلاقة بينه وبين نظيره ستكون رائعة، رغم الخلاف العميق في العديد من الملفات. المهم برأيه أن “الكيمياء” بينهما ممتازة، وهذا مبشّر للبلدين، بخاصة للقيادة الإيرانية التي سيكون في وسعها نقل اقتصادها إلى أرقى مستوى إذا قبلت بتوقيع الاتفاق المعروض عليها.

بعيداً عن كاميرات الإعلام التي غطت استهلال القمة، سيكون في وسع ترامب تذكير روحاني بالسياسات الأمريكية التي خدمت طهران، فأسلافه الجمهوريون قدموا لها خدمة بالقضاء على العدو اللدود صدام حسين، ومن قبله بإزاحة المنافس السني المتشدد “طالبان”. تلك الخدمات المقدّمة شرقاً وغرباً ليست ما يشغل بال ترامب، بل يريد استمرار التعاون في أفغانستان والعراق. ما يغيظه حقاً هو تساهل أوباما في أماكن أخرى مثل التوسع الإيراني في سوريا واليمن، وبالطبع تساهله في ملف الصواريخ؛ هذه الأثمان ينبغي البحث فيها، ولا ينبغي من ناحية حسابية بحتة دفعها لقاء اتفاق هزيل أراد به أوباما تبرير حصوله على جائزة نوبل للسلام.

في المقابل، سيرد روحاني بأن بلاده ساعدت واشنطن من خلال ميليشياتها الحليفة في أفغانستان، وضمنت انسحاب معظم القوات الأمريكية بسلاسة من العراق، مذكِّراً وهو يبتسم بنوايا صدام حسين امتلاك مدافع عملاقة وأسلحة دمار شامل. وعن تهديد أمن المنطقة سيقول أن بلاده تحارب الإرهاب وتضحي بالمقاتلين الشيعة نيابة عن المجتمع الدولي، والميليشيات الشيعية منضبطة ولا تخرج عن أوامر المرشد، وهناك تجارب على الانضباط العسكري والسياسي يمكن الاستشهاد بها وعلى رأسها تجربة جنوب لبنان. ثم بعملية حسابية بحتة، كل ما يُقال عن تهديد إيراني لأمن المنطقة تستفيد منه واشنطن ببيع مزيد من الأسلحة لبلدانها، وهذا ينبغي أن يسعد المجمّع الصناعي الحربي في أمريكا.

يضحك ترامب مقاطعاً: هذه تحليلات تليق بالفايسبوك، أنصحك بتويتر يا صديقي العزيز. على أية حال، لم نأتِ إلى هنا لنناقش الماضي، جئنا لنصنع المستقبل. الصفقة التي أعرضها عليك، ولن تتكرر في هذا القرن، أن تكون زعيماً عظيماً لبلد مزدهر ولشعب مرفّه. دعني أؤكد لك على أمر، باستثناء فنزويلا لست مع التدخل لتغيير الأنظمة، ما أطلبه بسيط جداً؛ أن تغيروا في سلوك نظامكم ونعقد صفقة رابحة للطرفين. يغالب روحاني قهقهة تكاد تصدر منه ومن وزير خارجيته إلى جانبه: لكن ما تطلبه يا سيد ترامب هو المستحيل، ما الذي يبقى من النظام إذا تغير سلوكه؟! لدينا مثل فارسي قديم يقول: أنت لا تستطيع الطيران بأجنحة غيرك. وبالنسبة لشعبنا وصبره لدينا مثل آخر يقول: على مذبح القرار ينام الناس نوماً عميقاً.

مع انتهاء الوقت، ونظرات وزير الخارجية مايك بومبيو الساخطة، يقول ترامب بنبرة احتفالية: حسناً المهم أننا أصبحنا صديقين عزيزين، ولدينا ما نعلنه للإعلام عن صداقة عظيمة بدأت للتو. لقد فعلنا ذلك من قبل، أنا وصديقي كيم جونغ أون، ولعلنا نجتمع نحن الثلاثة قريباً. لم لا؟

عمر قدور- المدن


رادار