عن “تويتات” رياض سلامة… بتوقيع فيوليت غزال البلعة

March 25, 2019


لم ينطو بعد الأسبوع اللبناني الحافل، والمرشح لمفاعيل أثارتها زيارة نارية لأرفع ديبلوماسي أميركي ومواقف حادة خرج بعضها عن المألوف وخلط بعضها الآخر مستقبل الِإقتصاد بنهج الأداء السياسي.

بدا لبنان في “أسبوع بومبيو”، وكأنه أُرغم على وضع كل أوراقه على الطاولة، فتكشفت عوراته ولامست ما كان يعتبره الكثيرون يدخل في قاموس “المحرّمات”. لمرة أولى، سُمّيت الأمور بأسمائها لتفرج هموما وتكرب أخرى، وتفتح باب الداخل على جدل متجدّد محوره “حزب الله” وإمتداداته الخارجية التي أقحمت لبنان في مثلث العقوبات الأميركية (فنزويلا، سوريا وإيران).

قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو كلمته ومشى. أبلغ لبنان الرسمي أن واشنطن تصرّ على إعتبار “حزب الله” منظمة إرهابية مع كل ما يترتب على هذا التصنيف من “عقوبات متشدّدة”. أثنى على لبنان “البلد العظيم” و”المنارة الديمقراطية في العالم”، ونصح القادة بـ”أن يعرفوا أنهم غير مجبرين على الخضوع لـ”حزب الله” وإيران وحسن نصرالله”، وطالبهم بـ”التحلي بالشجاعة للوقوف بوجه إجرامه وتهديداته”.

لم يسبق للولايات المتحدة أن صارحت اللبنانيين بما يكتنزه صدرها. فكيف إن صدر الكلام من بيروت؟ ثمة مَن يقول إن واشنطن رسمت حدود علاقتها مع لبنان لمستقبل تريده أفضل للشعب اللبناني “لأنه يستحقّ أفضل من ذلك ويريد غير ذلك. والولايات المتحدة مستعدة للمساعدة، وأعتقد أن العالم مستعد لذلك أيضًا” وفق تعبير بومبيو. لكن، ثمة مَن رأى في الرسالة الأميركية تحذيرات مكلفة، قد يكون الإقتصاد اللبناني أولى ضحاياها، رغم الحرص الذي تبديه واشنطن في كل مناسبة، لتؤكد رغبتها في تحييد إقتصاد لبنان عن مفاعيل موقفها من الحزب.

ما بعد الزيارة النارية لن يكون كما كان قبلها. رحل بومبيو وبدأت المخاوف من عنوان المرحلة الحافلة بإستحقاقات إقتصادية ثقيلة بدأت تفتح باب السجالات على مصراعيه، بدليل “حرب الإنفاق” الطارئة نهاية الأسبوع بين وزارة المال ومؤسسة كهرباء لبنان، على خلفية “فتح إعتمادات مستندية” لباخرتي الغاز الراسيتين قبالة معملي دير عمار والزهراني منذ 12 الجاري، بما جعل المؤسسة تنبّه من توقف كامل عن إنتاج الطاقة في المعملين ليل الثلثاء والخميس المقبلين (!) نتيجة نفاذ مخزونهما. أين بات مرسوم الإعتماد الإضافي لتغطية عجز كهرباء لبنان؟ يقول وزير المال علي حسن خليل إن رئيس الجمهورية وقعّه السبت “ولم ينشر في الجريدة الرسمية بعد”. فهل يعني هذا دخول لبنان في عتمة شاملة أم خفض جديد في التغذية؟

ليس هو المشهد الوحيد الذي أثار بلبلة على شبكات التواصل الإجتماعي في عطلة الأسبوع. فإلى العقوبات الأميركية على قنوات تمويل “حزب الله”، إنشغلت الأوساط المصرفية والمالية بتصريح غير مسبوق لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لجهة مضمونه الذي حدّد مكامن الفشل السياسي “علنا” وليس في الإجتماعات المغلقة، ودقّ ناقوس الخطر من المسارات التي سينتهي إليها لبنان، إن لم يبادر وبسرعة لإصلاح مداميك البيت قبل الإنهيار.

فقد إنتشرت سلسلة “تويتات” أوردت مقاطع لكلمة ألقاها سلامة في مؤتمر عن “الحوكمة”، قال في بعضها “إن سوء الإدارة يسهم في عجز الموازنة والتضخم ويهدّد استقرار البلد والقدرة الشرائية للمواطن. هذا ما يثير مخاوف المؤسسات الدولية كالبنك الدولي أو الـIMF أو الـEBRD أو حتى وكالات التصنيف التي أصبحت نظرتها للبنان سلبية، ولا سيما أنه تبين بعد شهرين من تأليف الحكومة أنها لم تبحث في أي برامج إصلاحية تضع لبنان على مسار إصلاحي، مع أن الأسواق تترقب ذلك، ما أثار ردود فعل سلبية تجسدت أساساً في إرتفاع الفوائد”.

ومما ورد أيضا: “قبل الحرب اللبنانية، كان القطاع العام يشكّل 17% من الناتج المحلي الإجمالي. أما اليوم فقد بات هذا القطاع يستأثر بـ35% من الناتج، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بحجم لبنان وتلقي مسؤولية كبيرة على عاتق قياديي البلد… مع الوقت، إذا أردنا تحسين الإقتصاد وتأمين فرص عمل للبنانيين، ينبغي تقليص حجم القطاع العام وإعادة روح المبادرة إلى الشباب ليطلق مبادرات، من شأنها توفير فرص عمل ومؤسسات جديدة في القطاع الخاص”.

مَن يعرف الحاكم سلامة يدرك جيدا كيف “يدوزن” تصريحاته ويختار الزمان والمكان بعناية، ويتأنى في إنتقاء اللائق من التعابير. فقد أطلق مواقفه يوم الجمعة الذي يسبق عطلة نهاية أسبوع طويلة تكفل قفل الأسواق المالية والمصرفية حتى غد الثلثاء، حرصا على ردات فعل تثير بلبلة في سوق الدولار والليرة. ومن المعهد العالي للأعمال ESA الذي يتشارك مع السفير الفرنسي في بيروت مسؤولية رئاسة هيئة الإشراف عليه، إختار أن يضع الطبقة السياسية أمام مسؤولياتها لمرة أخيرة قبل فوات الأوان، بعدما عجزت تنبيهاته الصامتة وفي كواليس اللقاءات، عن الدفع لتصويب الإنحرافات القاتلة للإقتصاد والليرة.

مبادرة أكدت خطورة الوضع الإقتصادي والمالي، وحجم مقاومة الوضع النقدي حيال التداعيات الإقتصادية والشلل السياسي كونه الحلقة الأضعف في دائرة التأثيرات. لكنه ليس الأول لحاكم يقلقه هذا الهمّ ليل نهار. حاول تضييق فجوة القصور الرسمي، وتحمّل مسؤولية سياسات لم تكن له فيها كلمة. لسبعة أعوام متتالية، دعم قروض اللبنانيين مستهدفا تحريك الركود، وإختار أن يمنح السكن الحصة الأكبر منها لحرصه على صمّام الأمان الإجتماعي. فكان أن حُمّل مسؤولية أزمة القروض السكنية حين فاق الطلب حجم التقديمات، بفعل ما أتاحته سلسلة الرتب والرواتب من قدرات لدى موظفي القطاع العام الذين إنضموا إلى قائمة “طالبي القروض”. لَجَمَ مطامع الفوائد المصرفية بالكثير من الهندسات والتعاميم والتدابير حرصا على تمكين الإقتصاد من تكبير حجمه. فكان أن حُمّل مسؤولية رفع الفوائد التي تسبّب بها خفض تصنيف لبنان السيادي نتيجة إرتفاع المخاطر وعقوبات “حزب الله”!

بعد نشر مقاطع من التصريح والردود التي تناقلتها وسائل التواصل، رفض الحاكم سلامة إضافة أي توضيح. فهو قال لزوم ما يلزم في هذه المرحلة الحساسة. أما بومبيو فأضاف إلى تصريحاته النارية ما غرّد به بعد مغادرته بيروت: “زيارتي كانت ناجحة جداً. شكراً للشعب اللبناني المعروف بحسن الضيافة. واشنطن ستظل ملتزمة بالعمل معكم لتعزيز الإستقرار والأمن والإزدهار في لبنان”.
مواقف صريحة… فهل مَن يتلقف الرسائل الموجهة عبرها؟


رادار