ما هكذا تكون محاربة الفساد!

March 11, 2019


ترى الباحثة الأميركية سوزان روز أكرمان أن الفساد هو “أحد الأعراض التي ترمز إلى وقوع خطأ في إدارة الدولة”، أي أن المؤسسات التي وُجدت لإدارة العلاقات المتداخلة بين المواطن والدولة، باتت تُستعمل وسيلة للإثراء الشخصي وإهداء المنافع إلى المفسدين.

ثمة تفسيرات عدة لظاهرة الفساد في العالم. فهو الرشوة والإختلاس، وأحيانا المحاباة أو الحياد عن الحق. مصطلحات لمفهوم واحد تختلف نسبة تفشيه من دولة إلى أخرى، بحسب درجة التقدم والتطوّر أو التخلّف السياسي والإجتماعي والإقتصادي والقانوني. يتحوّل الفساد “ثقافة” حين يتلقّفه المجتمع وفقا لنوعية تنشئة إجتماعية وسياسية.

وتجيز الممارسات للفاسدين “مخالفة” الواجبات الرسمية للمنصب العام طمعا بمكاسب خاصة مادية أو معنوية، وإنتهاك القواعد القانونية بممارسة أنواع من التأثير لتحقيق منفعة خاصة. ويرتفع منسوب الفساد حين ينعدم أو يضعف حكم “الإدارة الرشيدة”، أي الحكم الصالح الذي يوجب فرض إجراءات وضوابط كفيلة بمحاربة ممارسات الفساد وليس مكافحتها فحسب، إستهدافا إلى إضعافها وعزلها ثم خنقها.

وفي غياب المساءلة والشفافية، يتفشى الفساد ويتعاظم. حتى إن وُجدت بعض أجهزة الرقابة، فإن تواطؤ المفسدين يجعلها مشلولة وشبه منعدمة. ولعل الأخطر، هو الخلل الذي يصيب أخلاقيات البشر وقيم المجتمع، مما يؤدي إلى تولّد قناعات تبرر الفساد وتحفز إستمراره، بحيث يصبح مقبولا، وأحيانا مرغوبا فيه.

هل هذا ما يصيب لبنان؟
ليست المقارنة هي “بيت القصيد”. فاللبنانيون يتطلعون إلى “أكل العنب” في كبح جماح الفساد والفاسدين والمفسدين. لكن، بالتجارب والعِبَر، تتقدم الدول وتحسّن أحوالها، وفي التاريخ القريب والبعيد نماذج حية تستحق كل الثناء والتقدير. ولا تكون محاربة الفساد بالأقوال والمؤتمرات الصحافية والمواقف النارية، بل بالأفعال والقرارات الجريئة الهادفة إلى إعادة تصويب مسارٍ عام غارق في إنحرافات تكاد تطيح بالبلاد والعباد، بعدما إنتظم الفساد في منظومة متكاملة على شكل شبكات قوية وضاغطة، تصعّب عملية المجابهة.

إجراءات محاربة الفساد معروفة وليست “إختراعا”، وهي تنبع من المقاييس الخاصة لكل دولة وحاجاتها في مسيرة النهضة والتنمية والحداثة. وعموما، تكون تلك الإجراءات عبر: توسيع إطار الديمقراطية والمساءلة وتداول السلطة منعا لتوارث الفساد والتستر عليه، الإصلاح الإداري والمالي عبر وضع ضوابط تكفل منع التداخل بين المال العام والمصالح الخاصة، إصلاح منظومة الأجور إستهدافا لتحسين أوضاع صغار الموظفين ومنعهم من اللجوء إلى “الرشوة” أو سرقة المال العام  لسدّ عجزهم المالي، إستحداث أجهزة لرصد الفساد وكشف ممارساته فضلا عن الإستعانة بالمنظومة التربوية لتعميم ثقافة مكافحة الفساد.

لبنان لا يملك ترف الوقت. عبارة رددها الموفد الفرنسي المكلف تنفيذ مقررات مؤتمر “سيدر” السفير بيار دوكان خلال زيارته إلى بيروت قبل أسبوع. قد يكون إستنسخ العبارة من البيان الوزاري لحكومة سعد الحريري، وأوحى بها للأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله في كلمة له نهاية الأسبوع حين أطلق “مقاومة الفساد” لأن لبنان أمام مفصل وجودي، “ويجب العمل لتجنيب توجهه نحو الإفلاس والإنهيار المالي والإقتصادي”.

مكافحة الفساد ليست قضية موسمية تُفتح على الطلب وتُقفل على الطلب أيضا. فإفتتاح المهرجان الأخير تحت عنوان “الحسابات المالية” أو بالأحرى “أين الـ11 مليار دولار؟”، فتح شهية الكلام والسجال على نحو درامي أعاد اللبنانيين بالذاكرة إلى محطات سابقة، حين سمعوا معزوفات مماثلة ممَن يكررون وممَن يتكرّر مرورهم على الشاشة، ليعودوا إلى واقع مرير لا يأبه لكل الحملات التي تُشنّ باسم الحكم الرشيد بإصلاح ذات البين. فهل النوايا صادقة فعلا؟ وهل هناك إرادة سياسية بمحاربة الفساد؟ وممَ يخشى الفاسدون الكبار؟

ما هكذا تكون محاربة الفساد! بل بتطبيق الإصلاحات التي يحاول لبنان إعفاء نفسه منها قبل أن تتكرّس طلبا يفرضه المجتمع الدولي لقاء تحرير قروض “سيدر”. وإن كان بعض السياسيين يعتبر تلك الإصلاحات علقما لا أمرّ منه، فهي لا تعني حكما في ترجمتها التنفيذية “الإجراءات المؤلمة” أو “الإجراءات غير الشعبية” التي يخشاها مَن يعتمد “الشعبوية” خطابا دائما لقاعدة يبقيها مستنفرة لتلبية النداء عند أي طارئ.

من الحسن أن يكون سياسيو لبنان وأحزابه أعلنوا صراحة وعلنا حربا ضد الفساد. والعبرة ليست في النوايا بل في القرار والتصميم والعمل، بعدما إستهلك لبنان كل فترات السماح التي أعطيت له. محاولة جيدة لكن غير كافية. فعلى مرّ التاريخ، سُجلت محاولات لمحاربة الفساد، لكنها لم تفضِ كلها إلى “خواتيم سعيدة”. سنغافورة وماليزيا وجورجيا وبلغاريا مثال على النجاح الباهر، فيما بقيت الهند ونيجيريا والمكسيك في منتصف الطريق. صحيح أن التحديات تعوّق الخطوات، لكن لصنّاع القرار اليد الطولى في تحقيق الإنجازات.

مهاتير محمد أو “أبو ماليزيا الحديثة”، هو أفضل نموذج لنجاح محاربة الفساد حين يتخذ القرار “رأس الدولة”. إنتشل بلاده من الفقر إلى عصر النهضة، وواجه الولايات المتحدة ببرجي “بتروناس″ الأطول في العالم، ليردّ على غطرسة الرئيس الأميركي رونالد ريغان الذي فاخر بـ”العمارتين الأطول في العالم” حين قصد أن يريه بإستعلاء، برجي مركز التجارة العالمي قبل أن تجتاحهما طائرات الإرهاب في 11 أيلول/سبتمبر 2001.

كان يحلو لمهاتير محمد مخاطبة مواطنيه بالقول: “أيها الماليزي! إرفع رأسك ناظرا إلى المستقبل”. ماذا سيقول المسؤولون للبنانيين؟ وأين الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد؟

فيوليت غزال البلعة


رادار