معاقبة “حزب الله” أم الإصلاحات؟

February 25, 2019

ليس مفاجئا تحذير الخبراء الدائم من إتجاه العالم “بالفعل” نحو تباطؤ إقتصادي، وتزايد المخاوف من الإنزلاق في دوامة جديدة من الركود. فحركة الإستثمار والأعمال تدلّ على وجود مؤشرات غير صحية ناجمة عن إضطرابات وإختلالات في موازين السوق، بدليل إتجاه المستثمرين اللاجئين إلى المزيد من الملاذات الآمنة، بما يؤكد عدم إرجحية التغيير في هذا الوضع حتى “إستقرار وضع الصناعة العالمي”.

كثيرة هي المؤسسات صاحبة الإنذار: “بنك أوف أميركا”، بنك “أتش أس بي سي” البريطاني، معهد “بلاك روك” الإستثماري، “بنك نومورا” الياباني ومجلة “فوربس” الأميركية وغيرها. أما أبرز المسببات فهو “ديون” الحكومات والشركات غير المستقرة الناجمة عن الإفادة من أسعار الفائدة المنخفضة، فضلا عن إنخفاض أداء أسهم الشركات الصغيرة التي كان يفترض أن تفيد من النمو، وعدم إقرار المستثمرين والمستشارين بتداول الأسهم في ظل “هبوط” الأسواق.
 
لا توقعات بنجاح أي تدخل لـ”الإحتياطي الفيدرالي” في حلّ أزمة مالية يوشك العالم على مواجهتها. فمعدلات خفض أسعار الفائدة والأموال الوفيرة ساعدت النظام المالي المضطرب في الفترة 2008-2009. لكن مشاكل اليوم غير قابلة للضبط بمثل هذه الإجراءات.

بهذه المناخات الرمادية، يستعدّ لبنان لبدء مرحلة جديدة، آملا بإسعاف إقتصاده المتهالك تحت وطأة واقع سياسي ساخن ومرشح إلى مزيد من الحماوة، بما سيتهدّد فعلا مسارات النهضة المرتقبة بدءا من توصيات مؤتمر “سيدر” ومندرجاته الإصلاحية. وهذا ما تتمحور حوله مشاعر الثقة لدى الطامحين من اللبنانيين إلى أكثر من “حكومة عمل”. فالمرحلة مليئة بتحديات قادرة أن تحوّل مسار البلاد على نحوٍ دراماتيكي إقتصادي وبيئي، بما يرسم سيرة الأداء الحكومي للسنوات الأربع المقبلة، أي إلى حين الإستحقاق النيابي المقبل، إلا إذا فرضت “قوة قاهرة” قواها التغييرية، فيكون عمر الحكومة أقصر…

هي مرحلة حرجة لم تتح لمؤشرات الإقتصاد بالتخلي عن “أحمر” ينذر بالوهن والقصور، رغم بروز ملامح تغيير في الموقف الخليجي من لبنان مع مبادرة السعودية إلى رفع الحظر عن سفر رعاياها إلى لبنان، مع كل ما يعنيه من تشعبات ستطولها لاحقا مفاعيل قرار سيمتدّ حتما إلى دول أخرى كالإمارات. لكن، يحتاج فتح شهية الإستثمار الخليجي أو الأجنبي على لبنان، إلى منصة مرنة قادرة على إستقبال الأموال والرساميل الباحثة عن مواقع إستثمارية مجدية في بيئة حاضنة وجاذبة. فهل تنجح “حكومة العمل” في توفير تلك الشروط؟

لم يكن مفاجئا ما ورد في تقرير مجلة “فورين بوليسي” الأميركية من عناوين تبدأ بعنوان “لبنان يواجه كارثة إقتصادية وبيئية”، وهي مهمة تصفها المجلة بأنها “في غاية الصعوبة” كونها تعصف بالبلاد منذ أعوام. وفي مفارقة، تعتب المجلة الأميركية على واشنطن التي “بدلا من التسرع في معاقبة “حزب الله”، يجب عليها أن تدعم الحكومة الجديدة لتجنب إنهيار الدولة”.

لا يحتمل أن تنجح حكومة الـ30 وزيرا في إحداث تغيير جذري. فالتحديات التي تواجه الإستقرار والأمن، في رأي المجلة، باتت إقتصادية وبيئية. والتدابير المؤقتة لن تكفي لفترة أطول. “فالتلوّث متفشٍ، وإحراق النفايات وطمرها في مواقع ساحلية وفي بحر المتوسط يفسد الطبيعة ويلوّث المياه ويترك آثارا مدمرة على الصحة العامة. إنقطاع الكهرباء يتكرّر تاركا أفقر أجزاء من البلاد دون تبريد في الصيف الحار ودون تدفئة في الشتاء. إقتصاد لبنان متعثر نتيجة سوء الإدارة والديون والنازحين. بالنسبة لثلث البلاد التي تعيش تحت خط الفقر (1.90 دولار في اليوم)، يشعر لبنان وكأنه دولة فاشلة أكثر منه دولة ديمقراطية ذات دخل متوسط. يتعيّن على المجتمع الدولي النظر إلى هذه العوامل إذا كان يهتم بحماية الأمن في البلاد”.

أشارت “فورين بوليسي” إلى الهوة الفاصلة بين اللبنانيين وحكومتهم نتيجة تدهور الثقة وإرتفاع مشاعر “عدم اليقين” التي غلبت على صفة الإقتصاد المرن الذي يعتمد على التحويلات الخارجية وقدرة المجتمع على الإبتكار والخروج من الضيقات. وعزّزت هذا التوصيف بتراجع معدل النمو من 8 إلى 1% منذ الحرب السورية، وإرتفاع عجز الموازنة وتجاوز الدين سقف الـ80 مليار دولار. ولم تتوان عن التأكيد على “إجراءات حاسمة لمكافحة الفساد وتطبيق الإصلاحات” من حكومة قادرة على إبتكار سياسات جديدة لجبه التحديات الإقتصادية والبيئية الخطيرة التي تواجهها.

وفي المقال أيضا، مساحة أفردتها “فورين بوليسي” لـ”سيطرة “حزب الله” على وزارة الصحة التي لديها رابع أكبر ميزانية، وهي المرة الأولى التي يتولى فيها الحزب مسؤولية حقيبة كبيرة، ستتيح له الوفاء بوعوده لأتباعه من ذوي الدخل المنخفض، والضغط للحصول على الرعاية الصحية المجانية لمقاتليه العائدين من سوريا والإندماج أكثر في مؤسسات الدولة. وهذا سلاح ذو حدين، لأن هؤلاء قد يتخلون عن الحزب إن فشل، فيما توسيع نفوذه داخل الدولة سيجعله هدفاً أكبر وأكثر صعوبة بالنسبة لواشنطن”.

ولمحت المجلة الى أن واشنطن قد تعتبر تجاهل تهديدها بإستهداف لبنان كله إن تولّى “حزب الله” حقيبة مهمة، هو “إهانة” للدعم المالي الكبير الذي تقدمه، بما قد يبرّر خفض تمويلها لوزارة الصحة مع ممارسة ضغط على المانحين الآخرين، الإتحاد الأوروبي والبنك الدولي، لحذو حذوها. وترى أنه يمكن لواشنطن فرض عقوبات على المستشفيات ومنع تصدير الأدوية الأميركية إلى لبنان أو قطع المساعدات العسكرية. “وستضرّ هاتان الخطوتان بالمدنيين وتهددان بتقويض دولة تريد واشنطن والإتحاد الأوروبي، حمايتها من الإنهيار”. لذا، ترجح أن تمنح واشنطن الحريري فرصة لإظهار قدرته على كبح قوة “حزب الله”.

معاقبة “حزب الله” هو إلهاء خطير عن التحدي الرئيس الذي يفترض بلبنان مراقبته جيدا، أي الإصلاحات “التي ستساعد على إستقرار الإقتصاد في الأمد القصير”. فهل ستتلقف حكومة الحريري هذه الرسالة؟

فيوليت غزال البلعة


رادار