هكذا لا يمكن الإستمرار! بتوقيع فيوليت غزال البلعة

November 19, 2018

لم يكن “الجمعة الأسود” مشهدا عابرا. فهو نموذج قابل لأن يتكرّر إن بقي لبنان محكوما بإستراتجيات تكرّس الفراغ على حساب دوران عجلة دولة المؤسسات.

لم يكن للدولة اللبنانية أي عذر في ما عاناه اللبنانيون على مدار ساعات، بدت أطول مما حملته من معاناة إتخذت شكل “أزمة سير”، لكنها تضمر في باطنها أزمات متسلسلة منذ غابت الدولة عن الحضور وغيّبت واجباتها في توفير أدنى الخدمات اليومية لمواطن يستحقّ أفضل من هذا الأداء.

لم يكن ليوم “الشلل” حجم مقدّر سلفا من الخسائر التي توزعت ما بين مادي ترجمته “الخسائر الفائتة” ليوم كان يفترض أن يكون “منتجا”، وبين ما هو معنوي شوّه أكثر ما يسود العلاقة بين المواطن والدولة.

ولم تفلح كل الاعذار في تخفيف ما قاساه اللبنانيون في “يوم التشرّد الوطني” الذي كشف عورة “صيانة الطرق”، وهو أحد بنود مؤتمر “سيدر” الملحة بعدما باتت نسبة 80% من اللبنانيين تستخدم النقل الخاص في غياب وسائل لائقة لـ”النقل العام” وتأهيل للبنية التحتية لشبكة الطرق العامة، مما يفاقم زحمات السير صباحا وظهرا ومساء. والرقم مرشح لبلوغ نسبة 100% مع تنامي عدد السيارات بمقدار 100 ألف سنويا، وهذه عين الأزمة.

هو مشهد قاس، لكنه قابل للتكرار في أي لحظة وبأي شكل كان، لأنه نتيجة طبيعية لفراغ ينهش مؤسسات الدولة، ويترجم قصورا في واجباتها حيال مجتمع لا يزال يحافظ على قدر مقبول من الإيمان بالنهوض مجددا.

مَن قال إن اللبنانيين وحدهم مصابين بحال “قرف” متصاعدة؟ فها هو سعد الحريري، رئيس الحكومة المكلّف والعاجز عن التأليف، يحور في دائرة ضيقة ويدور بحثا عن “تشكيلة” ترضي الجميع، من دون أي جهد مقابل لتسيير الأمور وربما إصلاح ذات البين بعد سلسلة تنبيهات للمجتمع الدولي، أطلقت إشارات على شكل تقارير دورية او جولات لمسؤولين، كان آخرها قبل أيام زيارة لنائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الاوسط لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فريد بلحاج بعد ثلاثة اشهر على زيارة أولى في تموز/يوليو الماضي. فهل هي سلسلة تحذيرات للبنان من السقوط في المحظور؟

فبعد تقرير البنك الدولي الذي سلّط الضوء على “مخاطر لبنان” وأكد على أهمية الثقة والإصلاحات الهيكلية والمالية لإنقاذ البلاد، حمل بلحاج رسالة جديدة، يعكس مضمونها “مخاوف” الدول المانحة وقلقها من إستمرار الفراغ الحكومي بعد دعم مطلق للبنان تبلور في مقررات “سيدر”، مما يتهدّد قنوات التمويل الموّجه إلى مشاريع تأهيل البنى التحتية، وينذر بتغيير وجهتها إلى دول محتاجة أيضا. وهذا يعني أن غياب الحكومة سيفضي إلى غياب قروض “سيدر” المدعومة التي يحتاجها الإقتصاد اللبناني لإصلاح مناخ العمل والإستثمار فيه، ولتطبيق إصلاحات هيكلية توقف الإنحرافات التي جرفت الأداء العام بعيدا جدا عن مبتغاه بفعل تفشي حلقات الفساد، وهذا ما تترجمه يوميا ملفات التقاعس والقصور في الكهرباء والنفايات وزحمة السير والأدوية والإستشفاء… واللائحة تطول وتطول.

الخسائر المقدّرة للفراغ الحكومي لن تقتصر على “أموال سيدر”، بل تنسحب أيضا على قروض تمويلية مقترحة من البنك الدولي، ولا تزال عالقة في إنتظار تشكيل حكومة جديدة أو مبادرة من مجلس النواب لإقرارها.

لا مغالاة في القول إن لبنان يواجه سلسلة تحديات لم تتغيّر منذ نحو 7 أعوام، وتحديدا منذ تفجّر “الربيع العربي” ثورات فوضوية في الأنظمة المجاورة مع كل ما خلفته. لكن، ثمة دول نجحت في تجاوز بعض الآثار، وحتى المباشر منها، بينما بقي لبنان متخلفا عن رصد الفرص ومبادرا إلى إضاعتها كما درجت العادة، وها هو يمعن منذ ستة أشهر في إمتصاص مفاعيل تأخير الحكومة الجديدة رغم كل إنذارات القلق والمخاوف من الإنهيار…

هل يمكن فعلا تحديد مهلة لحلول الإنهيار الشامل؟
ثلاثة أشهر هي المهلة التي فهم بعضهم أن وزير الإقتصاد رائد خوري، منحها للبنان. لكن التحذير المنبثق من مسعى ضاغط لتشكيل الحكومة، كان أكثر من تنبيه للآتي حتما. والقصد يتضح حين يقول خوري ” لم نتعدَ الخط الأحمر ونملك كل المقوّمات للنهوض بالاقتصاد. إنّما الطريقة التي نعمل على أساسها قد تؤدي إلى الإنهيار إذا لم نبدأ بتطبيق خطّة “ماكينزي” خلال ثلاثة أشهر، وإلا ذاهبون نحو المجهول”.

هو المجهول عينه الذي حذّر منه فريد بلحاج بدوره حين سُئل عن الإنهيار المالي والإقتصادي. إذ قال “إذا بقيت الأمور كما هي، ولم يتمّ ّتحريك الإصلاحات، من الواضح أنّ أمراً ما سيحصل، لا أستطيع أن أحدّد وقتاً لحصوله، أسابيع أو أشهر، لكنني أرى أنّ هذا الأمر السيّئ سيحصل”. لكنه أردف في دردشة مع صحافيين ومستندا إلى الوقائع، “أنّ كل المؤسسات الرسمية لا تعمل بشكل جيد، بإستثناء مصرف لبنان. والمفارقة أن كل المؤسسات واللبنانيين يتطلّعون إلى مصرف لبنان للمساعدة على صمود البلد. ونحن لطالما راهنّا على مصرف لبنان وعلى حاكمه رياض سلامة، وهو رجل إستثنائي يقود المركب في ظروف صعبة جداً. إننا نرفع القبعة لقدرات هذا الرجل، لكن لا يمكن تحميلُه كل شيء والاتّكال أنّ البلد يستطيع أن يستمرّ هكذا”.

هكذا، لا يمكن الإستمرار… فلا نفع لتقاذف المسؤوليات والتهم طالما بقي “التعطيل” شعارا أوحد للأداء الرسمي، وطالما بقي المواطن يجني “قرفا” لا يقيه شرّ الفقر والجوع والعوز. هكذا، يتوّجب الإسراع قبل أن تميل الدفة نحو الإنهيار، إن بقيت السياسة غير منتجة توافقا وطنيا يوّلد قرارا بالإصلاح فعلا لا قولا…


225316

رادار