حكومة… على وقع العقوبات! بتوقيع فيوليت غزال البلعة

November 5, 2018

اليوم، مفصل حاسم في مسيرة المجتمع الدولي. عقوبات مالية وإقتصادية، يقابلها رفض للإذعان وبحث عن سبل للمواجهة. هو فرز جديد قسّم العالم ما بين معسكرين يتواجهان تحت عناوين كثيرة: تخصيب اليورانيوم، نشر الصواريخ البالستية والرؤوس النووية، التدخل في حروب الآخرين، دعم الجماعات الإرهابية وأنشطتها العابرة للقارات، الهجمات السيبرانية المخربة فضلا عن تهديد الملاحة الدولية. أما العقوبات، فتنذر بـ”كارثة إقتصادية” بدأت واشنطن تعدّ لزومها من الإجراءات منذ حلّت نفسها من الاتفاق النووي في أيار/مايو الماضي.

12 شرطا جديدة حدّدتها واشنطن لتحلّ السكين عن رقبة طهران. مرونة أضافتها الشروط والإستثناءات التي أعفت ثمانية دول ستُحدّد بالإسم اليوم، من بند “حظر شراء النفط الإيراني”. وهذه مساحة تأمل الولايات المتحدة من خلالها، في ضبط الإضطراب المحتمل في أسواق النفط العالمية وترك الباب مفتوحا أمام “خط العودة”.

اليوم، يحبس العالم أنفاسه ترقبا لآثار العقوبات “الأقسى” على إيران. إستهداف قطاعات النفط والموانئ والشحن البحري والناقلات الجوية والمؤسسات المالية، بعد حزمة عقوبات أولى في آب/أغسطس الماضي، طالت قطاع السيارات والقطاع المصرفي بما فيه التعامل مع الريال والسندات الإيرانية.

عقوبات ستفضي إلى حرمان طهران من عوائد بيع النفط الذي إهتزّ نهاية الأسبوع على وقع توقعات قاتمة. وما بين 73 دولارا لبرميل برنت و63 دولارا لبرميل الخام الأميركي الخفيف، تأرجحت أسعار النفط على وقع تأكيد واشنطن “أن الأسواق لن تعاني نقصا رغم إنخفاض صادرات النفط الإيراني (…) لأن إستخراج النفط الأميركي سيزيد عام 2019 بمقدار مليون برميل يوميا… وأكثر”.

رغم التطمينات الأوروبية بدعم طهران في مواجهة العقوبات الأميركية، بادرت طهران السبت الماضي، وفي جلسة تصويت للبرلمان نقلها التلفزيون الإيراني مباشرة على الهواء، إلى إجراء “تعديل وزاري” للمجموعة الاقتصادية في الحكومة. وحظي الأكاديمي فرهاد دج بسند، الذي يُعتبر من “التكنوقراط”، بثقة البرلمان بهامش كبير لتولي منصب وزير الاقتصاد والمال، فيما شمل التعديل وزراء جددا لحقائب الصناعة والشغل (العمل) والطرق.

جريئة هي طهران. تحاول تعزيز عزلتها بأسلحة حلفاء لهم حسابات مختلفة مع واشنطن. لم يحل إستخفافها بمفاعيل العقوبات، من إتخاذ إجراءات حيطة لتكبير مناعتها بعدما خلت ساحتها الاقتصادية من كبرى الشركات والشراكات العابرة للقارات، ولا سيما تلك العاملة في قطاعات السيارات والطائرات والطاقة وسكك الحديد والسفن والأدوية والمصارف والسياحة، مع ما يعني كل ذلك من ترحيل لإستثمارات بمليارات الدولارات، وتجميد مشاريع تطويرية وتوسعية وتنموية كان يمكن أن تدعم الاقتصاد الواهن بفعل موجات العزلة التي إختبرت صموده على مدى 40 عاما من النزاع مع الولايات المتحدة وبعض الحلفاء.

هذا في طهران. أما في لبنان، فالعزلة تكبر عمدا بفعل داخلي ينبثق عن كل ما يعوّق ولادة حكومة جديدة، ولا مَن يأخذ في الحسبان مفاعيل عقوبات تستهدف أحد المكونات المجتمع اللبناني، على إقتصاد بالكاد يطال نموّه معدل الـ1% هذه السنة بفضل سلسلة “مخاطر”، نبّه إليها البنك الدولي قبل أيام. فالإصلاحات الهيكلية والمالية تعيد الثقة “التي تشتد الحاجة إليها في الأمد القريب”. ونقص الثقة يتعزّز يوميا في التناحر السياسي وحدة الخطاب الرسمي الذي يصرّ على “كشف المستور”، بما يهزّ المشهد الداخلي ويثير القلق على “تضامن” بدأ يتعثر قبل أن تولد الحكومة! فكيف سيواجه لبنان كل الإستحقاقات المقبلة؟ وبأي موقف رسمي سيتوجه إلى المجتمع الدولي ليشكو ظلامة أو ليطالب بحق؟

ليست العقوبات الأميركية على “حزب الله” وأعضائه وفروعه والمتعاملين معه، هي وحدها في ساحة الإستحقاقات. فتوصيات “سيدر” وإصلاحاته، هي أيضا في ميزان الترجمة الحرفية في “مساحة مالية” للبنان لم يعد مسموحا لها أن توّسع حجم العجز المالي إلى أكثر من 8.3% من الناتج المحلي بدل 6.6% قبل عام. وفي لائحة المؤثرات السلبية، إرتفاع دعم قطاع الكهرباء بنسبة 44% وإرتفاع الإنفاق الحكومي (دون خدمة الدين) بنسبة 30%، في مقابل تراجع إيرادات الإتصالات بنسبة 30% وتراجع حصة الفائض الأولي من الناتج المحلي من 2.7% في 2017 إلى 1.4%. وفي المؤشرات الملحّة حاجتها إلى إصلاحات، نمو الدين العام من الناتج المحلي إلى 154% في 2018، وبلوغ التضخم معدل 5% مقابل 4.5% قبل عام.

إصلاحات لإستحقاقات كانت تستحقّ أكثر مما رُصد لها. فالإهتمام بتشكيل الحكومة أخذ لبنان إلى مطارح أخرى من دون أن يتيح لشبابه السؤال عن المستقبل. فهل يجب أن يكونوا متفائلين أم متشائمين؟ سؤال وجهه المدير الإقليمي للبنك الدولي ساروج كومار، وما من مجيب عما يطمح إليه هؤلاء الذين تتآكلهم الهواجس وتقضّ معدلات البطالة المرتفعة (45% في فئتهم) مضاجع كثر منهم حاولوا طرق باب الهجرة، ولم يفلحوا لأسباب تفرضها أزمة الاقتصاد العالمي.

بعد ستة أشهر على التكليف، يبقى لبنان على حافة التوافق الوطني، يستتر في الشكل لا المضمون، رغم أنه الأهم. إذ يتطلع اللبنانيون وفي زمن العقوبات التي تشغل العالم، إلى حكومة فاعلة وقادرة على إنتشال الإقتصاد من براثن المفاعيل السلبية لما أضيف على لائحة “المستجدات الطارئة”. فالمماطلة، وفق الهيئات الاقتصادية، سيكون لها تداعيات خطرة “وتحديدا لجهة الكلفة الكبيرة على الإقتصاد، وعدم القدرة على المعالجة إلا ضمن آليات ستكون أشدّ إيلاما وكلفة على البلد وشعبه”.

حكومة على وقع العقوبات… يبدو وكإنه زمن المستحيلات!


218196

رادار