إدارة الأزمة… أي أزمة؟ بتوقيع فيوليت غزال البلعة

September 10, 2018

بمشهد مأساوي، إختتم لبنان موسمه السياحي بأزمة زحمة، صحيح أنها متعددة الأسباب، لكنها دامت نحو شهر كامل، وهو شهر الذروة، ليبدو وكأنه يلقّن السياح، مغتربين وأجانب، درسا في الإلتزام بوضع لبنان على جدول رحلات العام المقبل!

وكأن إسقاط لبنان من خريطة “الوجهات الجاذبة” كان في حاجة إلى أعطال طارئة وسعة محدودة وأجهزة غير ملائمة في مطار يصرّ الجميع على تسميته بـ”الدولي”. فالمحفزات التي دفعت معظم اللبنانيين الى اختيار تركيا او قبرص ومصر وبعض دول أوروبا الشرقية، زادت على ما يعانيه لبنان من أزمات خانقة ما عادت تمسّ الصحة العامة والأعصاب والجيوب فحسب، بل إقتحمت الهواجس لتثيرها قلقا على مستقبل البلاد وسمعتها، وأفقدت القطاع السياحي جرعات إنتعاش كان في أمسّ الحاجة اليها.

هو موسم وإنتهى رغم حجمه الفاعل في رفع حصة السياحة الوطنية من الناتج المحلي الإجمالي. لكن، هل للعِبَر أن تأخذ محلها من التجارب؟ وهل من “لبيب” يقرأ في العناوين الفاضحة ما يمكن ترميمه لئلا تضيع فرصا أخرى؟

حتى اليوم، يبدو وكأن لبنان يسير بعكس مساره الطبيعي. فالمشاكسة التي إبتدعتها السياسة المحلية بنذر إرتهاناتها الى الخارج، ما عادت قيمة مضافة في لغة التخاطب العربي، بدليل أن الإنغماسات الطوعية إنكفأت بعد سلسلة إهتزازات “الربيع العربي”، وبات لكل بلد مسعى فردي يهدف الى إنقاذ هويته ومستقبله وشعبه. وحده لبنان ما زال على الوعد، يرهن كليته الى خارج ما عاد مسؤولا عنه، وما عادت “مظلته” تقيه شرور التطورات المتسارعة على خط أزمة في سوريا، بدأت سلمية أهلية وتحوّلت ساحة صراع دولي مشرّعة أمام الطامعين بتوسيع نفوذهم والطامحين بثروات سيادية.

ماذا جنى لبنان من مكاسب؟
خلاف سياسي على الهوية وتشتت داخل أهل البيت الواحد (الطائفة)، زادا من التباعد بين الحكام الذين لفظوا كل ما يخرج عن منظومة “الأحزاب”، وأمعنوا في “كهربة” المزاج العام الذي تعطّل بعدما أصابته صدمة الركود الاقتصادي بما يشبه الشلل نتيجة إستقالة الدولة من دورها الراعي لشؤون المجتمع، بدليل الفراغ الحكومي المستمر منذ اكثر من ثلاثة اشهر نتيجة العجز عن التوافق على شكل السلطة التنفيذية لا على برنامجها الإنقاذي.

وإذا كانت الأجواء لا توحي بقرب إنفراج على صعيد إستواء الدولة في مؤسساتها وإستعادة هيبتها عبر تأكيد مسببات وجودها، فليكن عنوان المرحلة المقبلة هو “إدارة الأزمة” في المضمون لا الشكل وحده، لأن المطلوب كثير والعمل الجدي قليل وربما نادر، رغم إقرار الجميع بأن التعثر السياسي في توليد حكومة العهد الأولى ينعكس مباشرة على مناخ الإستثمار والأعمال، وتاليا على دورة النشاط الإقتصادي والنمو الموعود.

تفيد إحصاءات مصرف لبنان بأن 7 مؤشرات إقتصادية من أصل 11 سجلت تدهورا في الأشهر السبعة الأولى من السنة، وفي مقدمها الجمود المسيطر على حركة القطاع العقاري حيث تراجعت تراخيص البناء بنسبة 20.1%. وربما أبلغ شاهد على الركود هو تراجع الـ13% في قيمة الشيكات المتداولة التي تعكس مستوى الإستهلاك والإستثمار. ولن يضيف شهر آب/أغسطس الكثير من الأرقام ليعوّض الخسائر بسبب ما لحقه من أزمات متراكمة وطارئة أفضت إلى تلطيخ سمعة موسم الصيف بالكثير من العيوب.

صحيح أن “إدارة الأزمة” لا تعني الحلّ ومعالجة الذيول والمفاعيل، لكنها أقله تكبح الخسائر وتحدّ من خطورة الإنفلاش. وهذا يعني الكثير للبنانيين إن تلمّسوا فاعلية الجهد الذي قد تبذله السلطة الحاكمة. فلا يجوز وفق المنطوق المجتمعي، أن تتسبّب الدولة بالأزمات المعيشية والحياتية وتدع المواطن وحيدا في مواجهتها لا معالجتها. وما قيل ينطبق على سلسلة الرتب والرواتب التي إختار السياسيون وصفها بـ”الإنجاز″، بينما تُطبِق اليوم على قطاع التعليم وتضع إدارات المدارس والمعلمين ولجان الأهل في مواجهات مفتوحة ستنعكس حتما على المستوى التربوي لأجيال لبنان المستقبلية.

الإقتصاد اللبناني يئن من حلقات ركود ضلّت طريقها نحو الإنتعاش. والمواطن اللبناني يئن من ثقل أعباء يختلط قديمها بجديد لا يرحم ولا يُمهل. والعهد اللبناني يئن من معوقات لإنطلاقة أرادها بحجم شعارات وآمال عُلّقت طويلا على الدولة القوية والقادرة على إرساء أسس العدالة والمساواة، فيما تلجأ وزارة المال في حكومة تصريف أعمال إلى فرض “رسم” في موازنة 2016، لتفرض بموجبه ضريبة سنوية مقطوعة على الشركات وكل أنواع المكلّفين، على أن تسدّد نهاية أيلول/سبتمبر الجاري، متغاضية عما يتطلبه هذا الشهر من إستحقاقات مؤلمة بدءا من إقساط المدارس التي “تكوي” الأهل وصولا إلى مستلزمات التموين الشتوي وفي مقدمها المازوت الذي بدأت أسعاره تترنح صعودا…

“إدارة الأزمة” تعني الإستعداد لما قد لا يحدث والتعامل مع ما حدث. وهذا يستلزم دراسة الأزمة وتحليلها ومحاولة الخروج منها بأقل قدر من الخسائر وتأخير الأزمة اللاحقة إن تعذر تعطيلها. بكلام آخر، “إدارة الأزمة” تعني وقف الإنحدار إن بقي الحل عصيا على حكومة لا يزال تشكيلها في علم الغيب، فيما “كليشيهات” النهوض ومكافحة الفساد والإصلاح لا تزال تضجّ بالقاموس السياسي رغم إنتهاء موسم الإنتخابات النيابية. فهل من توّجه إلى “إدارة الأزمة”؟ وأي أزمة؟.

فيوليت غزال البلعة


187093

رادار