صيدا تتحرك ضد مطمرها

August 20, 2018

أواخر شهر حزيران الفائت، نظّمت هيئة متابعة القضايا البيئية في صيدا تحركاً أمام معمل النفايات الصلبة في المدينة. كان ذلك “إحتجاجاً على الروائح الكريهة المنبعثة منه وتراكم جبل العوادم في محيط المعمل”. وهي مشكلة تفاقمت بعد تعاقد المعمل مع بلدية بيروت قبل حوالي السنة، لإستيراد 250 طن من نفايات العاصمة. هذه الصفقة جعلت المعمل تحت ضغط إستقبال 570 طن من النفايات يومياً وهي كمية تفوق قدرة المعمل بأضعاف، فيما المعمل بالأصل يعاني من مشاكل[1].  تحرك الهيئة المذكور لم يكن الأول لها في سياقه ومضمونه، لكنه الوحيد الذي تحوّل إلى إشكال بين عمّال المعمل والمعتصمين. وهو الوحيد الذي جعل القضية تلقى أصداءً وتنتج ردود فعل من قبل الجهات المعنية.

يقول المهندس بلال شعبان من “هيئة المتابعة” في حديث مع “المفكرة” أن “إعتصامات عديدة قمنا بها لم تنفع، حدوث مشكلة أدى إلى نتيجة”. يضيف: “مخاطبة المحافظ والوزارات المعنية لم تأتِ بنتائج، عريضة موقعة مما يزيد عن 2000 شخص أودعت لدى المحافظ ولدى المدعي العام المالي، لم تلقَ صدى، د. أسامة سعد قبل إنتخابه نائباً حمل الملف كاملاً إلى المدعي العام المالي مبيناً له هدر المال العام الذي يحصل، وبقي الملف في الأدراج… فقط دخولنا إلى المعمل أدى إلى تحرك النائب العام المالي والوزارات المعنية”. كذلك الأمر أدى إلى “تحرك وزارة البيئة لوضع تقرير يتضمن 4 صفحات حول النواقص في المعمل، هذا التقرير أقر على الأقل بأحقية نصف مطالبنا”. قبلها وزارة البيئة لم تتخذ إجراءات “ليس فقط على الرغم من تحركاتنا، بل أيضاً على الرغم من تغريم المعمل 150 مليون ليرة من قبل وزارة الصحة قبل سنتين، بسبب ما يصدره من روائح”. حتى على الصعيد الإعلامي، يقول شعبان أن “الهيئة تتواصل مع الإعلام ولكن الأخير يغطي تحركات وليس قضايا”.

وفقاً لـ “شعبان”، تأسست الهيئة إثر الإنتخابات البلدية عام 2016. وقتها “كنا مجموعة شبابية، مدعومة من أسامة سعد، قررت الترشح للإنتخابات البلدية واجتمعت ضمن لائحة (صوت الناس)”. ركّزت اللائحة على القيام” بجولات انتخابية ميدانية، فالتقينا بسكان صيدا وتمكنا من معرفة أبرز المشاكل بالنسبة لهم، ووضعنا برنامجنا الإنتخابي”. من هنا “أزاحت الإنتخابات البلدية الغبار عن ملف النفايات القائم بالأساس منذ زمن، فكانت الإنتخابات دفعة إضافية جمعت الناس المنتمين إلى خط وطني تغييري في المدينة”. بنتيجة الإنتخابات حصّلت لائحة صوت الناس “9000 صوت مقابل 15000 حصلتها اللائحة المدعومة من كل أحزاب السلطة”. هذه النتائج عكست، بحسب شعبان “أن الناس تحتاج إلى التغيير، فقررنا أن نكمل بالعمل والضغط وفقاً لبرنامجنا الإنتخابي، فيما يشبه بلدية الظل”.  في هذا السياق “إنبثق عن (صوت الناس) عدة هيئات، واحدة منها هيئة متابعة قضايا البيئة في صيدا”. وتتألف الهيئة بالإضافة إلى “10 من بين المرشحين الـ 21 الذين ألّفوا لائحة صوت الناس، التنظيم الشعبي الناصري، الحزب الديمقراطي الشعبي وناشطين في الشأن البيئي برزوا في حراك عام 2015”.

“عندما فكرنا ضمن صوت الناس أننا نريد أن ينضم لنا المهتمون بالقضايا التي نحملها، بدأنا بالدعوة إلى ندوات شرحنا فيها وجهة نظرنا”، يقول شعبان. يضيف أن هيئة المتابعة في “فترة من الفترات، دعت تجمّع المؤسسات الأهلية في صيدا ليكونوا معنا، وقد ناقشنا قضية النفايات حتى قبل بدء الإستيراد من بيروت”. لكن الرد كان أن “لا مشكلة في الإستيراد ما دام يدخل أموال إلى البلدية”. هذه النظرة لا تبدو مقبولة بالنسبة للهيئة التي ترى أن “المدينة ليست (بزنس)، نحن نراها بتراثها ونراها أيضاً مدينة تحتوي مساحات زراعية تاريخياً، فهل يعقل أن نحولها إلى (بزنس) نفايات، ولصالح من؟” هكذا تشكلت الهيئة، وقررت الانتقال إلى “التحرك على الأرض ونظّمنا جولات في محيط المعمل”. أيضاً في في سياق الحراك “كنا نراسل الجهات المختصة، وقد زرنا المحافظ مرات كثيرة بعدما باءت محاولتنا مع البلدية بالفشل”. المحافظ من جهته “وعد في البداية أن يتواصل مع البلدية، بعدها قال أنه سيعيّن خبيرا بيئيا، وكان لافتاً لنا أن الخبرة البيئية تأتي دائماً تقنية جداً لا توضح أي مسؤوليات”.

بالإضافة إلى كل ما تقدم، فإن هذه المقاربة لا تستوي من وجهة نظر “هيئة المتابعة” إنطلاقاً من مقاربتها الإصلاحية للواقع. يقول شعبان أن “6 مليون دولار من بلدية بيروت لصيدا خلال 3 سنوات لا تكفي لأي تأهيل في المدينة، بالمقابل استمرار انبعاث الروائح من المعمل يقضي على جزء أساسي من الإستثمار في المدينة لا سيما المدينة الصناعية”. إلى ذلك، فقد “اختبرت المدينة اليوم نتائج دخول المزيد من الأموال للمعمل، هو يتلقى بعد استيراده النفايات من بيروت حوالي 60 ألف دولار يومياً، والروائح لاتزال تنبعث منه”. من هنا لا تعود المقاربة المالية مفيدة ما لم تؤدّ إلى مساءلة على صعيد وجود شبهة هدر مال عام ينطوي عليها ملف المعمل. بالمقابل فإن قضايا الهيئة واضحة، يقسمها شعبان إلى أربعة: “تصحيح مسار المعمل، وليس إقفاله (1)، وقف استيراد النفايات من خارج المدينة (2) عدم تحويل المعمل إلى مجموعة معامل على طول شاطئ صيدا (3) إستملاك بلدية صيدا للأرض المردومة من المعمل، وبناء مشاريع تستفيد منها صيدا عليها (4). بكلام آخر فإن وجود المعمل بالنسبة للهيئة “مهم جداً، لكن يجب ان نصحح الأداء من خلال مطابقة الواقع مع العقد الذي إلتزم به الشركة المشغلة للمعمل” .

يظهر من تتبع ما يرويه شعبان أن هيئة متابعة قضايا البيئة تبنت منذ إنشائها خطاباً واضحا وثابتاً. فهي تطالب بالإبقاء على المعمل-  إصلاحه لكي يؤدي الغاية المطلوبة من وجوده في العقد مع البلدية – عدم تحويل مدينة صيدا إلى مركز لمعالجة النفايات. هذا الخطاب على سهولة التفاعل معه وعلى أحقيته لم يلقَ أي صدى، على الرغم من اللجوء إلى الأساليب الرسمية من مراسلات لجهات مختصة والشكوى لدى النيابة العامة وتنظيم ندوات. وفي هذا السياق لم تؤدّ التغطية الإعلامية ولا الهيئات المحلية المعنية أي دفع إضافي لهذه المطالب، ولم تحمل القضية بدورها. أخيراً، وجدت نفسها الهيئة أمام صدام مع عمال المعمل بينما لم يخطط أعضاؤها لإستخدام أي أساليب عنفية. إلا أن هذه الواقعة، دون غيرها من الأساليب المستخدمة أتت بنتائج، وفتحت الباب أمام تطبيق إحتمال وصول قضية النفايات في صيدا إلى حل. هذا التحول غير المقصود على صعيد أدوات حراك الهيئة، وما أنتجه يدفع للتساؤل ما إذا كانت السلطة الحاكمة تدفع باتجاه تعطيل أدوات الديمقراطية وتكريس استفتاء المواطنين لحقوقهم بالأساليب العنيفة؟ الهيئة من جهتها لا تعبر عن أي إتجاه لإستخدام العنف على الرغم من ملاحظتها لنتائجه، على العكس من ذلك فهي تخطط للجوء إلى القضاء، بحسب معلومات المفكرة.


174001

رادار