لا حكومة ولا حشيشة… بتوقيع فيوليت غزال البلعة

August 6, 2018

لا حكومة للبنان في آب مع مغادرة معنيين كثر بحركة المفاوضات إلى الخارج للإستراحة والإستجمام. مشهد داخلي يعكس ثقل أحمال السياسة على الإقتصاد الذي ما كاد يعد نفسه بموسم صيفي جيد، حتى تلاشت آمال الإنتعاش التي علّقها.

لا خشبة خلاص لأزمة حكومية تحولت معركة بين الأحزاب السياسية على حصص قياسا بأوزان، يُقال إن الانتخابات النيابية الأخيرة أفرزتها. لكن، يغفل معظم المتحكمين بمصير البلاد أن نسبة 51% من العباد قاطعت عمليات الإقتراع، ولم تقل كلمتها في طبقة سياسية تعمدت أن تنتج نفسها ممثلة عن شعب لا يتوانى عن المشاركة في عمليات السوق، بيعا وشراء.

عناوين فارغة تتوزّع الإهتمامات، لترفع منسوب التفاؤل يوما بقرب ولادة التشكيلة الحكومية، وتعود في اليوم التالي لتنفي صفة العجلة على أساس “أن الشباب مش مستعجلين”. فكأن البلد بخير، والأوضاع غير مأزومة، ومناخ الأعمال الى إزدهار، واللبنانيون في بحبوحة، والنمو موعود بتحسن غير مسبوق. ويستشهد بعض من “نعامات” السياسة، بزحمات تحكي فصولا من مآس على الطرق العامة، وفي المطار والمطاعم والمهرجانات “الدولية”… وما الإنفاق إلا حلم تتطلع اليه الموازنة لترفد مؤشرات العجز الحمر بقليل من إيرادات ترضي غرور الناتج المحلي، فتخفض حجم الدين قياسا به، أصلا وخدمة.

ليس في الصورة المعمّمة ما يبشّر بأي إنتعاش. فهو عام لم يدع أي استحقاق إلا واستدعاه ليشهد على ضبط “العوامل المعوّقة” بالجرم المشهود.

لم ينفع التوافق المرحلي على تمرير مشاريع “سيدر” من أجل نحو 11 مليار دولار “ورقية”. فقطار التنفيذ يقبع في السراي، في إنتظار صفارة الحكومة… ومعه، تبقي “ماكينزي” خطتها لتصويب إنحرافات الإقتصاد، سرّا من أسرار الدولة، فتصوم عن الكلام المباح حتى إعلان الصباح.

لم ينفع إلتزام إجراء الإستحقاق الدستوري في موعده وفق قانون فُصّل ضامنا للمقاعد حصصا في تقاسم السلطة. فالتوزيعة الجديدة لم توّفر تقريشا قابلا للصرف في حكومة وفاق وطني. حكومة مطلوب ألا تتحكم بل تحكم، وألا تغفل الإصلاحات المالية والإقتصادية المعلقة عند باب مجلس الوزراء إيذانا بمرحلة يفترض بزوغ فجرها.

ثمة ما ينذر بأن دوامة الإقليم المجاور لم تتوقف بعد. فإعادة إعمار سوريا ستبقى وعدا بلا أفق للبنان “المنصة” الذي لم يتحضر فعليا كدولة قادرة على فتح مرافقها الحيوية للمساهمة في الورشة أو أقله تأطير حركة إنسياب السلع والمواد الأولية والموارد البشرية اللازمة. وكل ما يتسرّب، كلام عن إستعدادات لشركات جاهزة لفتح قنوات تعاون مباشر، او بالأحرى تلك التي مسموح لها بالعمل في سوريا مستقبلا.

في ملف النفط، لا يؤذن التحضير لإطلاق جولة التراخيص الثانية نهاية هذا العام، بأن ثمار الجولة الأولى بات قيد التنفيذ. فالمفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل وبواسطة الديبلوماسية الأميركية، لا تزال جارية. وقد تؤخر المعوقات الكثيرة عمليات الإستكشاف والإستخراج، وتاليا التصدير الذي يعوّل عليه لبنان لإطلاق نهضة إقتصادية وإجتماعية حقيقية بفضل إيرادات مالية ستساهم، إن أُحسنت إدارتها وإستثمارها، في خفض الفاتورة النفطية أولا مع ما ينسحب ذلك على عجز عام يشكل دعم “كهرباء لبنان” منه نحو ملياري دولار سنويا، إضافة الى تحسين الآفاق الإقتصادية وخفض كلفة الائتمان، وتاليا خفض مستوى الفوائد وضبط الدين العام وخدمته، الى المساهمة في محاربة الفقر وتحسين مستوى التعليم والبنية التحتية. ويبقى في الصندوق السيادي ورئاسته، كلام آخر…

ولـ”سيدر 1″ قصة مختلفة يؤمل ألا يكملها “سيدر 2″ و”سيدر 3″، إن بقي منسوب الفساد حادا وعصيا على الإصلاح. فالشعارات لا تنفع، والحملات الإتهامية والمضاد منها لا يُصرف، والوعود لا تصدّق بعدما خذل لبنان نفسه قبل أن يتذاكى على المجتمع الدولي مرارا وتكرارا. ولن ينفع إلهاء اللبنانيين بـ”حشيشة ماكينزي” وإيراداتها الموعودة، لأن المسار طويل ويحتاج قوانين وآليات تنفيذية ورقابة صارمة على قنوات التصريف، لتكفل وجهة البضاعة نحو المختبرات الطبية وليس الى السوق المحلية.

لن يرتاح الإقتصاد إن تحسنت التغذية الكهربائية في كسروان وجبيل والمتن مع رسو “عايشة”، الباخرة المجانية، في معمل الزوق الحراري بعد رفضها في الجيه والزهراني. ولن تدور عجلة النمو إن قررت بلدية بيروت إنشاء محرقة نفايات في منطقة الكرنتينا-المدوّر دون ان تستكمل المراحل المطلوبة بدءا من الحرق حتى تحديد مصير الرماد القاتل. ولن يزدهر الإقتصاد مع عودة آمنة ومضمونة للنازحين السوريين.

المشكلة تبقى في “ميثاق شرف” يقرّ بإعادة الدولة الى سلطتها وهيبتها لكي تستعيد الثقة بوجودها. فهل من وارد لإقراره وتوقيعه؟ لا حكومة في الأفق… و”إذا ما في حكومة، ما في حشيشة”!


166040

رادار