خاص: العبور

July 17, 2018

هو أحد شباب بعلبك الذي يحلم بسطوع شمس الفن والثقافة والحياة فوق سماء مدينة الآلهة.

“عمر” وكما يصفه أصدقاؤه بالعابر بين تماثيل الآلهة، يكرس جزءًا كبيرًا من حياته في عالم اللوحة والمنحوتة، وهو الذي تحدى صعوبات جمة في مجال الفن على الصعيد التشكيلي في مدينة يبدو أن طريق الفن فيها وعر قليلًا كما يقول.

وعندما قررت كتابة المقال عن عمر سألت عنه في أحياء المدينة، فالكثير من أبنائها يعرّفون عن “عمر” بعاشق بعلبك، إنه الشاب غريب الأطوار الذي لا يستطيع حوار الناس بشكل عادي، إنما عن طريق خياله اللامحدود وبفكاهته التي يوصل الفكرة من خلالها بشكل سلس.

وفي حوار أجريته معه في محترفه في حي البساتين من الجهة الغربية للهياكل، أخذني بنزهة قصيرة عمرها آلاف السنين متنقلًا بين لوحة وأخرى ليروي لي قصص الأساطير التي كانت قد جسدت على أرض المدينة وأقوال الفلاسفة والشعراء والفنانين عن بعلبك.

يقول عمر في البداية إنه “كان هناك صراع مع أحد الأخطاء الجينية التي كانت تريد أن أكون بطيء الحركة، لكن إرادة الحياة وشراسة والدي في معالجة الأمور جعلتني أسرع في نيل حلم الجري وخوض المعارك مع أبناء الحي، وحتى الصراع مع القدر لكي أعوض الوقت الذي سرقه الألم في سن الطفولة.

أما عن العبور، فهي الرحلة التي أنا بها اليوم وأنت معي في هذا العالم الصغير، نحن منذ آلاف السنين نخوض العبور من جسد إلى آخر وكل واحد منا له عمر محدد هو عبارة عن تزامن في عصر ما تثبت فيه وجودك بطريقة ما على هذا الكوكب، الذي استغله البشر لتحقيق الأنا ولكنهم ليسوا مدركين أنهم يطيحون بما خلقوا لأجله.

وهذه الرحلة في عالمي هي رحلة إثبات الوجود في عالم الفن الذي يدوم أكثر من أعمارنا المؤقتة”.

“أحاول خوض رحلة البقاء بعد الفناء”، ما زلت في بداية الطريق وآمل أن أحقق ذلك في المستقبل. والحقيقة أن هناك بعض العراقيل التي تقف في طريقي في هذه الأحيان لكنني أوشكت على النيل منها للانتقال الى معرضي الثاني (المدينة المركبة)، والذي سأتحدث من خلاله عن المغامرة التي واجهتها طيلة خمس سنوات في بيروت، حيث كان الحب والفن يلعبان دورًا أساسيًا في تحقيق حلم العبور.

أما عن مدينة الشمس، فأنا محظوظ بأنني ولدت في منوال أجدادي وهو يعتبر من أقرب البيوت على القلعة، كانت طفولتي معظمها داخل الهياكل حيث تعلمت منها نحت الاشكال الهندسية في البداية عن طريقة التقليد، وهناك منحوتات نافرة في أحد المذابح الموجودة أمام معبد جوبيتر، وساعدني في ذلك من ورث النحت في العائلة والتي كان يعتاش منها من خلال تقليد النحت الموجود بالقلعة على الحجارة.

بعلبك هي مدينة الارادة تعلمك كيف تكون صامدًا بوجه كل شيء رغم كل الظروف التي واجهَتها.

ويتابع: “أحب أزقتها القيمة العابقة برائحة الطين في أوائل فصل الشتاء وكيف ترتدي أثوابها الأربعة بكامل أناقتها وصوت السنونو الذي يغذو القلعة ليتكاثر بداخلها ويجدد العهد لربيع السنة المقبلة”.

ويختم قائلًا: “مدينتنا ليست محرومة نحن من نحرم أنفسنا منها، فأهل المدينة تعودوا على السكوت وغاب عنهم ما كان يقال بأنهم يحققون مطالبهم بالتماسك، فماذا ننتظر من أهل مدينة سلبت منها مياه النهر الذي كان مورد الحياة وبناء المعابد، فأكثر شيء يستطيعون فعله هو الاستنكار على مواقع التواصل”.

سأمضي في طريق الفن في هذه المدينة فالكثيرون يؤمنون بما أفعل فهي قوة تساعدني على الوصول لأحقق عبوري من هذه المدينة الى ما أريد.

مروان سماحة


156538

رادار