تسوية الإقتصاد بالأرض…بتوقيع فيوليت غزال البلعة

February 5, 2018

قبل أكثر من عام، حلّت “التسوية” ضيفة على المشهد السياسي لتُستخدم في إصلاح ذات البين بين أهل البيت. بعصاها السحرية، أنتجت “التسوية” إلتزاما بالإستحقاقات الدستورية. فقد حرّرت الفراغ الرئاسي من أعوامه الثلاث حين جاءت بـ”عهد قوي” مع الرئيس ميشال عون، وأخرجت حكومة “إستعادة الثقة” من الدرج لتنهي عزلة الرئيس سعد الحريري السياسية، وها هي تستعدّ لإستقبال برلمان غير ممَدّد لنفسه بعد ثلاث أولى، ويمثّل فعلا إرادة الشعب.

وما بين إنطلاقة قطار العهد وتنقله بين المحطات الدستورية، حاول كُثُرٌ إستنهاض إقتصاد متهالك قبل وقوعه في براثن الركود. عبثا، حاول الإستقرار السياسي، وأحيانا الأمني، في منحه جرعات أوكسيجين، أبقاه بعضها على قيد الحياة، ولكن على قاب قوسين من الإنهيار. فحال مؤسسات القطاع الخاص أبلغ شاهد على أزمة غير مسبوقة الحدة، حتى في أحلك ظروف حرب سبعينات القرن الماضي التي عدّلت في مسار الإزدهار وحوّلته إلى سكة التقهقر.

فإن لم تكن “التسوية” نابعة من داخل حقيقي، لن تُترجم إرتياحا في أرض الواقع. وإن بقيت محكومة بـ”الهشاشة” نظرا إلى طبيعة أُريد لها أن تكون ملاصقة، فإن الإهتزاز قابل على فكّ التحالفات وجمع الأضداد في لحظة سياسية واهنة. خير مثال على ذلك، إرتجاج الواقع الداخلي قبل أسبوع على وقع توصيف غير لائق… لا يستحق فعلا وضع البلاد في ميزان الإستقرار.

يستحقّ اللبنانيون “تسوية” سياسية في الجوهر. فإستحقاقاتهم المعيشية والإقتصادية وضعت ما سُمي “إنجازات” في غير خانة، وخصوصا أن ما برز منها فجّر خلافات حول ملفات، كانت بالأمس القريب ما زالت مفتوحة. من سلسلة الرتب والرواتب التي ما كادت تخرج من أسر الأعوام الخمسة، تشعبت مطالب رافضة لأعباء حلّت دون إستئذان في زمن الشحّ المالي. ضريبة الـ1% لقيمة مضافة أضافت 10% غلاء على أسعار أكثر سلع السلة الإستهلاكية. مياومون تكهربوا من “زودات” السلسلة لأنها أنقصت فعلا أجورا حين أوقفت ما كان يُضاف إليها من “بدلات تعويض” وسواها. أقساط المدارس أوقعت حربا مفتوحة بين مؤسسات القطاع الخاص حين حرمت أساتذته من حقّ مساواتهم بمعلّمي القطاع العام، ودفعت المؤسسات التربوية للإمساك بالحلقة الأضعف… فكانت مشكلة رفع الأقساط.

إن لم تكن “التسوية” السياسية حقيقية، فسيبقى لبنان عاجزا عن إيجاد “مأوى” لنفايات تفترش الطرق والبحر والأنهر منذ ثلاثة أعوام. أيضا، ستبقى الكهرباء المقنّنة أو المتقطعة على وقع تيار مولّدات المنتفعين وبواخر أبناء الحاشية، حلما عاصيا على كل ما يفوح من روائح صفقات وتسويات لم تبلغ خواتيم سعيدة بعد.

ماذا عن النفط والغاز اللذين باتا على مشارف التوقيع الرسمي مع “كونسورتيوم” لم يجرؤ بعد على إصدار تعليق أول على تهديد إسرائيل؟ حلم على طريق الزوال؟؟؟ يسأل بعضهم ما دامت القلوب في الداخل غير صافية، وإن إلتقت الخطابات الرسمية على توحيد لغة الإعتراض ورفض إصرار تل أبيب على “سرقة” البلوك رقم 9. هل أهل الحكم في وارد الاتفاق على خريطة طريق نحو الأمم المتحدة لتأكيد حقوق لبنان ومباشرة عمليات الإستكشاف والتنقيب التي تشترط موازاة عادلة ما بين البلوكين رقم 4 و9؟

وفي نيسان/أبريل، يقف لبنان أمام المجتمع الدولي في مؤتمر “سيدر1” ليطلب مليارات يرغب بتخصيصها في مشاريع نهضوية تكفل عودة النمو السالب إلى الإيجابي من النقاط الموعودة، والدين العام إلى ما يكفل “عقلنة” مطلوبة دوليا حيال ناتج محلي إجمالي يتفلّت من عقال الإرتفاع مع كل مناسبة مع إختناق كافة مكوّناته الأساس. وما البحث عن وظائف جديدة متاحة في ورشة التمويل المرجوة، سوى محاولة لضبط بطالة ترتفع تحديدا لدى فئة الشباب وتهدّد بإقتحام نسبة الـ40% لتسجل رقما قياسيا غير مشهود إلا نادرا، وفي دول لا تنتمي إلى أي مدرسة إقتصادية تضع النمو هدفا منشودا لا سواه.

بدءا من اليوم، ينطلق قطار الإنتخابات النيابية المرتقبة في 6 أيار/مايو المقبل، إن إستوت المناخات على الملائم منها لإتمام وعود بإنجاز ما يحتّمه دستور البلاد. وبدءا من اليوم، ستصدر مواقف وخطابات تستعين بحال الإقتصاد، لتحدّد برامج جاذبة لناخبين يلهثون خلف لقمة العيش. “عدة الشغل” ستتحوّل وعودا جديدة بإنماء ونمو وفرص عمل، تحدّ من الضائقة وتفرج كرب المتضايقين. لكن، إن لم تكن “التسوية” حقيقية، فعبثا يبحث هؤلاء عن “إبرة كومة القش”، كون التسوية المقنعّة تكون فعلت فعلها وسوّت الإقتصاد اللبناني بالأرض…

هي فرصة قد تكون أخيرة إن لم يحسن لبنان السياسي تلقفها ويتقن إنجاز “التسوية” على ما تفرضه الوقائع والضمائر وآمال اللبنانيين… فهل يسارع ويلتقط الإشارات ويبدّل في القناعة القائلة بأن لبنان “بلد الفرص الضائعة”؟


73410

رادار