“ماكينزي” ليست آخر المحاولات. بتوقيع فيوليت غزال البلعة

January 15, 2018

من مرسوم ضباط الـ94 إلى إنسحاب مقدمي خدمات الكهرباء ردّا إعتراضيا من وزارة المال، إنتقل لبنان بسرعة الى أزمة جديدة، بدا وكأنه يبحث عنها، فوجدها في إصرار تيارين على إقحام إستشاري عالمي في حلقات البحث عما يكفل إنهاض الإقتصاد الوطني من كبوته.

في أيام، وجد اللبنانيون ما يختلفون عليه، وكأنهم باتوا في حال إشتياق دائمة إلى الأزمات. الأسبوع الماضي، كلّف مجلس الوزراء شركة “ماكينزي” الأميركية إعداد خطة “ستشكّل خريطة داعمة للجنة الوزارية المكلّفة تنفيذ رؤية وخطة إقتصادية “جدّية”. أمهلها ستة أشهر لإنجاز مهمة بلغت كلفتها مليون و300 ألف دولار.

زوبعة الإعتراضات بدأت من داخل مجلس الوزراء، وبلغت ذروتها مع تغريدة قاسية للنائب وليد جنبلاط، قبل أن تُستكمل مواقف تشكيكية بجدوى أداء شركة وُصفت بـ”بائعة الهوى” نظرا إلى ما شاب سجلها من فشل إستشاري أفضى إلى إفلاس شركات عالمية كبرى منذ العام 2001، بينها “الخطوط الجوية السويسرية” وشركة “إنرون” النفطية الأميركية و”جنرال موتورز″ ومصرف “مورغان”، وفق ما أورد كتاب The Firm للكاتب داف ماكدونالد.

قد يكون للمخاوف ما يبرّرها. فالإستشاري سيستعين بخبراء لبنانيين وسيلج إلى أروقة الوزارات والمؤسسات المعنية، لإستخلاص “رؤية خمسية” ستنير درب الإقتصاد وتعيده إلى سكة النمو. أداء غير مبرّر في رأي معترضين من معظم القوى السياسية على “إهدار” للمال العام ولوقت يُفترض أن يفيد منه لبنان لإعداد أرضية خصبة لمؤتمر “باريس 4” (“سيدر”) كي تأتي الثمار على قدر المشتهى من أموال المانحين المتخلفين عن دعم لبنان.

مخاوف إستوجبت حملة مضادة قادها وزير الإقتصاد رائد خوري دفاعا عن إستثمار يأتي ضعيفا في زمن إنتخابي قاسٍ، كونه لم ينل موافقة تتلاءم وسياسات التسويات المعتمدة منذ الإفراج عن الفراغ في موقع الرئاسة الأولى.

لا ضير من الخطط، لكن الأهم هو التخطيط. لا ضير من التوصيات، لكن الأجدى هو الإلتزام والتطبيق. لا ضير من إستمزاج آراء خبراء محليين ما دام إستشاري الخارج لا يفقه في تركيبة إقتصادية ومالية ونقدية لبلد سُمي منذ زمن بـ”الحال الفريدة”. ما يخشاه اللبنانيون هو تكرار تجارب الماضي، حيث تعتق الحكومات نفسها من إلتزامات سالفاتها. هذه هي حال الوزارات والوزراء والنواب، وإلا ما يفسّر وجود قوانين لا تُطبق، ومراسيم لا تُنفّذ، وبرامج وتقارير تُحفظ في الأدراج لتطوي معها الأزمات، كل الأزمات، على تسويات مؤقتة تحفظ حقوق المتسببين والمنتفعين والطامعين؟

“ماكينزي” تباشر مهمتها هذا الأسبوع بحثا عن “علّة” إقتصاد لبنان. محاولة أولى في طريق الألف ميل، قد تبلغ بالخواتيم نهايات سعيدة، لكن إن نجحت في تحديد الهوية الإقتصادية لبلد محاط بأتون نار ويُراد له الاستقرار ولو رغما عنه، وأيضا إن توصلت الى إكتشاف قدر إهتمام الدولة بإصلاح ما عطبته سياساتها من شؤون مجتمع لا يئن وهو في إنتظار إنتخابات لن تحدث إنقلابا في تركيبة سلطة حاكمة تمهّلت في وضع قانون على قياس أحزابها ومقاسات مسؤوليها.

قد يكون وزير الإقتصاد وفريقه المؤيد لخطة “ماكينزي” على حق. فلبنان أهمل طويلا همّه الإقتصادي وشجون مجتمعه. وربما هذا ما سمعه من مسؤولي المجتمع المالي في إجتماعات الخريف لصندوق النقد والبنك الدوليين، حين سُئل عن برامج وخطط لم تخطر على بال مسؤول لبناني. لكنه سمع أيضا، بشروط المانحين عن كيفية إنفاق أموال البرامج والقروض والهبات. الإصلاح والشفافية والثقة، ركائز أساس لكل مساعدات. فهل بلغ لبنان مرحلة كافية من النضج السياسي والإجتماعي كي يقرّ بما بات لزاما عليه إعتماده تصويبا لإنحرافات طال أمدها وطالت عمق الحياة الاقتصادية؟

حجم الأزمات التي يعانيها لبنان يستدعي محاولة وربما أكثر. وها هي “ماكينزي” عند أول خطوة، تسير بسلفة الـ430 ألف دولار، بحثا عن مستقبل لبنان الإقتصادي، غير آبهة بما أحدثته من فرز جديد، مؤيد لها ومعارض، إثر حلولها ضيفة على ساح داخلية لطالما تغّنت بإصطفافات “8 و14”. هي فرصة تستحق الردّ عليها بقبولها إستشفافا لسيرة حكومة تزدحم “أجندتها” هذا العام بإستحقاقات تفصلها عن مفترق الطرق الإنتخابي. إذ على حكومة “إستعادة الثقة” أن تعدّ لثلاثة مؤتمرات هي: “سيدر” و”مؤتمر روما” و”مؤتمر النازحين”. كذلك، عليها أن تستعدّ لإجراء إنتخابات نيابية لئلا تمتدّ يدها إلى التمديد الثالث لمجلس النواب.

ورشة الخطط والبرامج بدأت، ولبنان على مسافة واحدة من النجاح والفشل. فهل يختار إستعادة موقعه على خريطة الجدارة؟ إمتحان للعهد في ثانية سنوات حكمه، يستحق فرصة سماح لئلا يتحوّل لبنان من “نموذج فريد” إلى “نموذج خطير” بإقتصاد لا يحمل إلا الأحمر في أرقام مؤشراته. لن تكون “ماكينزي” أولى المحاولات ولا آخرها، لكن المؤكد أن نية النهوض موجودة كما الرغبات، ولا ينقص سوى القرارات… وربما المؤلم منها للطبقة الحاكمة وليس المحكومة وحدها!


61714

رادار