“حسن الإمتثال”.. إمتحان للوعود. بتوقيع فيوليت غزال البلعة

January 29, 2018

كانت زيارة اليومين كافية لإثارة زوبعة من التساؤلات والتحليلات والتوقعات. ماذا فعل وفد وزارة الخزانة الأميركية في بيروت؟ وما هي الرسائل التي أبلغها إلى المسؤولين والمعنيين بالقطاع المصرفي؟ وهل من تحذيرات جدية في ملف العقوبات الأميركية على “حزب الله”؟

مخاوف في محلها. فالتصميم الأميركي يتضح يوما بعد يوم، عبر المواقف والقوانين والتصريحات كما التسريبات. والإتجاه ينحو نحو تشدّد لإدارة ترامب بعد تراخي إدارة أوباما إستهدافا لإنقاذ الإتفاق النووي مع إيران، بدليل إعادة إحياء الفريق الخاص بوزارة العدل، الذي سيكون له صولات وجولات، إستقصاء وبحثا لضبط الجريمة المالية الملاحق بها “حزب الله” من تجارة المخدرات.

لم تكن زيارة وفد وزارة الخزانة سوى رسالة واضحة إلى لبنان عبر الرؤساء الثلاثة بضرورة إلتزام مكافحة تبييض أموال الحزب، إنفاذا والتزاما بقانون HIFPA (2015 و2017). لكن في اللقاءات مع السلطات النقدية والمصرفية، توغلت النقاشات إلى إستفهامات وإسئلة أكثر عمقا في أداء يغتنم كل فرصة ليؤكد حسن الإمتثال للقوانين.

قيل إن ما لم يقله مباشرة في بيروت، مارشال بيلينغسلي مساعد وزير الخزانة لشؤون الإرهاب، أبلغه عبر صديقه الكاتب جوناثان شانزر في مقال نُشر يوم وصول الوفد الأميركي إلى بيروت، وكان صادما بمضمونه بدءا من عنوانه: “الكشف عن الحقائق المرة لأموال “حزب الله” القذرة”. وفي المقال أكثر من رسالة وتنبيه “لأن أصول “حزب الله” في العالم، لم تعد آمنة”، و بلغ حدّ التحذير مع تسمية أربعة مصارف (للمرة الأولى) معنية بالتحقيق في عمليات مشبوهة للحزب، واعدا بالكشف عن المزيد من المصارف الأصغر حجما! ولا يغفل أن “المصرف التجاري السوري اللبناني” الذي ورد إسمه، مدرج منذ أعوام على لائحة “أوفاك”.

لا شك في أن زيارة وفد الخزانة تحتمل الكثير من التحليل والتأويل، لان ما قيل داخل الأروقة لن يتسرّب إلى خارجها ولو بقدرة قادر… لكن ثمة ثوابت وحقائق توجب درسها بتأن لإستشفاف ما تعد به الأيام والأسابيع المقبلة من إجراءات، تردد انها ستبدأ فور سريان مفعول القانون المعدّل. وفيها ما يُلاحظ أن:
– قانون العقوبات الأميركي يسري على دول وكيانات من مؤسسات مصرفية وتجارية وأفراد في كل أنحاء العالم، وليس في لبنان وحده.
– قانون العقوبات الأميركي لا يستهدف الطائفة الشيعية في لبنان، بل يعلن بوضوح حربا على “حزب الله” الذي تصنّفه الإدارة الأميركية “إرهابيا” وتجهد لقطع قنوات تمويله عبر عمليات تبييض الأموال من تجارة المخدرات في العالم. وقد وضع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بالفعل تعميما (2015) لتطويق مفاعيل التطبيقات لئلا تطول حسابات أبناء الطائفة الشيعية في لبنان.
– قانون العقوبات الأميركي يوجب على مصارف لبنان إلتزام “الحيطة والحذر” في أدائها اليومي لمراقبة حركة الحسابات، وفتح أطر التعاون والتنسيق المباشر مع مصرف لبنان على مصراعيها، وتطبيق تعميم المركزي (2015) بحذافيره لضمان حسن الإلتزام تجنبا لأي إجراءات.
– قانون العقوبات الأميركي عزّز حرص حاكم مصرف لبنان ودوره ليتركزا على تأمين إستمرار إندماج القطاع المصرفي في القطاع المالي الدولي.

هي ثوابت يفترض أن تترافق مع تضامن سياسي داخلي يوفر الغطاء الكامل للبنان بغية تمكينه من تجاوز إستحقاق العقوبات الأميركية. تفادي الإرباك مطلوب، وكذلك ضبط الضغوط التي قد تتفجر مع بدء تطبيق القانون الذي سيضع العالم كله تحت مجهر الإدارة الأميركية.

في معزل عن العقوبات، يبقى التوافق السياسي في قائمة أولويات المرحلة القادمة على لبنان، والحبلى بإستحقاقات قد تضع البلاد على “حدّ السكّين”. أول العناوين المدرجة، “مؤتمر باريس 4” أو ما سُمي “مؤتمر سيدر1” الذي تضع فرنسا كل ثقلها السياسي لإنجاحه، وإن ببرنامج لبناني إقتصر على عناوين مشاريع تأهيل للبنى التحتية، في ما يبدو وكأنه “تجميع” للحاجات المنعشة للإقتصاد دفعة واحدة…

فما يُحضّر للمؤتمر الباريسي يجب أن يكون أكثر من “جلسة تحضيرية” مزمع عقدها في بيروت إعدادا لمؤتمر حقيقي يُراد منه جني الكثير من الثقة والأموال. ويمكن تحويل تلك الجلسة إلى منصة لطرح المشاريع مرفقة بالمؤشرات والخطط التي في حوزة لبنان، والإطلاع في المقابل على متطلبات الجهات المانحة. ويُفترض أن يترافق ذلك، مع خريطة طريق موجزة تحدّد الإلتزامات المتوجبة على المعنيين بإنجاح المؤتمر.

حتى الآن، يبدو أن التردد هو السمة الغالبة في حسم مصير خطة لبنان إلى “مؤتمر سيدر1”. فرئيس الحكومة سعد الحريري عرض علنا برنامج الـ16 مليار دولار لإعادة تأهيل البنى التحتية. وأيضا، يرغب “التيار الوطني الحر” في عرض مشروعه الإقتصادي على المؤتمر عينه. بمعادلة بسيطة، يعني ذلك أن لبنان يسير بخطتين إلى مؤتمر دولي واحد!

السرعة مطلوبة لإنقاذ الإقتصاد. لكن التسرّع غير مبرّر على أبواب الإنتخابات النيابية، حيث يبرز بوضوح تهافت القوى السياسية على حجز أو ضمان مقاعد لها في الندوة البرلمانية. إستحقاق “حسن الإمتثال” هو إستحقاق للوعود ولمتطلبات الوجود كدولة. فهل يتخذ لبنان قراره ويفي بما قطعه على اللبنانيين من وعود؟


69269

رادار