إقتصاد لبنان في مأزق؟ بتوقيع فيوليت غزال البلعة

January 22, 2018

حين تُشلّ مسيرة الحكومات، تنتكس الإقتصادات وتتوّسع دوائر البطالة. معادلة واضحة تعود واشنطن إلى تطبيقها مع “إغلاق” الحكومة الفيدرالية منذ السبت الماضي، في خطوة تتجدّد بعد 19 “إغلاقا” منذ العام 1976. فآخر الإغلاقات في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2013، كبّد الإقتصاد الأميركي في خلال 16 يوماً فقط، خسائر مالية قُدّرت بنحو 24 مليار دولار، ليسجّل الناتج المحلي الإجمالي لأميركا نحو 16 تريليون دولار.

للمرة العشرين، لم يفلح مجلس الشيوخ في إقرار الموازنة للحكومة الفيدرالية، أإذ فشل في التوصل إلى إتفاق تمويل حكومي لأربعة أسابيع فقط. وفي هذا إنعكاس مباشر على نصف الموظفين الفيدراليين الذين سيرغمون على أخذ إجازة غير مدفوعة ولأجل يرتبط بالتوافق على الموازنة. ويتوزع هؤلاء بين “أساسيين” و”ثانويين” ويعملون في وكالات عدة، وسيكون تأثير غياب الموازنة متفاوتاً بين وكالة وأخرى. ومع إغلاق الحكومة الأميركية، فأن العديد من الأنشطة الحكومية “الثانوية” و”الخدمات الثانوية” ستتوقّف، مما يؤثر سلباً على الإقتصاد الأميركي، وإن بدرجة محدودة ترتبط بالأجل الزمني القصير المدى.

قرار الإغلاق سيطول المحميات والمتاحف والمكتبات العامة وحدائق الحيوانات، والمعاهد الوطنية للصحة دون المستشفيات التابعة لها التي ستواصل العناية بالمرضى رغم خسارة نحو 77% من موظّفيها. كذلك، سيتم إقفال أقسام من “إدارة الغداء والدواء” فيما يستمر نظام الرعاية الإجتماعية، لكن الموظفين سيعجزون عن تقديم الخدمات اليومية بشكل كامل بسبب نقص الطواقم. ورغم أن 95% من موظفي المكتب المالي لحماية المستهلك ومكتب حماية البيئة هم من الموظفين “الثانويين”، سيتابع المكتبان عملهما. وحده الجيش الأميركي (1.3 مليون عسكري) لن يتأثر، وخصوصا عملياته في أفغانستان والعراق وسوريا. لكن الشلل الحكومي سيفضي إلى تجميد العقود الجديدة في وزارة الدفاع، مما سيزيد كلفة الأسلحة ويتسبّب بالمزيد من الأزمات في الميزانية العسكرية. كذلك، لن يتأثر الجهاز القضائي الذي لديه سيولة كافية لمواصلة عمله حتى 9 شباط/فبراير، حيث يرتقب أن يكون الكونغرس قد أنجز المهمة.

هي أزمة تمويل تهزّ أميركا بخلفيات سياسية ما بين حزبين، وهي أزمة “تعطيل أولى” تسجّل في عهد دونالد ترامب وسيطرة الجمهوريين على الكونغرس والبيت الأبيض. لكنها ليست الأزمة الأولى في العالم، حيث التمويل بات مقصد الإقتصادات والأفراد بحثا عن متنفسات لركود يطول العالم.

في لبنان، يبحث رئيس الحكومة سعد الحريري عن 16 مليار دولار لتمويل برنامج إعماري يطول نحو 250 مشروعا سيطرحه في مؤتمر “باريس 4” في نيسان/أبريل المقبل. وعلى ضفة أخرى، تشرع شركة “ماكينزي” إلى تحديد رؤية إقتصادية للبنان معروفة أوصافها وعلاجاتها. لكن، أهم ما فيها، هو إرفاقها بإستشارة تتعلّق بمكامن التمويل المحتملة لقطاعات تملك ما يكفي من القيمة المضافة الكفيلة بدفع عجلة النشاط الإقتصادي.

خزينة لبنان الفارغة تبحث بين المكلّفين عن “دافعي الضرائب” الحقيقيين لتغذي أرقام عجز يتسع ليقارب الـ5 مليارات دولار في الـ2018، أي ما يوازي نسبة 9% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد وجدت أن ضالتها تكمن في تحميل “رافعة” الإقتصاد الوطني أعباء إضافية، أثارت المجتمع المالي، ودفعت وكالة “ستاندرد أند بورز” إلى تصنيف لبنان ضمن المجموعة رقم “9” مع علامة B-/B ونظرة مستقبلية “مستقرة” رغم إشارتها إلى أن المخاطر الإئتمانية الرئيسة للمصارف اللبنانية “لا تزال تعرضها للديون السيادية”. وللعلم، تضمّ تلك المجموعة كلا من الأرجنتين وأذربيجان وكمبوديا وقبرص والسلفادور وجامايكا وكينيا وبابوا غينيا الجديدة وتونس ومصر والأردن وأوزبكستان وفيتنام.

مصارف لبنان تخشى إرتفاع كلفة تمويل الإقتصاد بفعل الكلفة التي سيرتبها تطبيق ضريبة الـ7% على حساباتها في المصرف المركزي والمصارف المراسلة إنفاذا للمادة 17 من القانون 64 المتعلق بتعديل واستحداث بعض الضرائب والرسوم لتوفير التمويل اللازم لقانون سلسلة الرتب والرواتب. لذا، تتخوّف من إنعكاسات سلبية، ليس فقط على قطاع إرتفعت موجوداته إلى أكثر من 216 مليار دولار عام 2017، بل على مجمل الإقتصاد وحتى على الإستقرار النقدي. وترى أن كلفة المادة 17 “سترفع كلفة تمويل الإقتصاد بما يحدّ من النمو، وستخفّض الفوائد على الودائع بالعملات وبالليرة بما سيزيد العجز في ميزان المدفوعات”.

أعباء المصارف تُرجمت في تراجع تمويلها للإقتصاد بشقيه: العام والخاص. وفي إقراض الدولة، باتت المصارف تلجأ إلى مصرف لبنان للإكتتاب في سندات بفوائد مرتفعة، تتلاءم وما فرضته عليها ظروف إستقالة الحريري من رفع للفوائد الدائنة والمدينة، “وهذا ما حافظ على ثقة المستثمرين والمودعين”، وفق “ستاندرد أند بورز”. فأسعار الفائدة المؤاتية “كانت حيوية للحفاظ على ثقة المودعين وتدفقات الودائع الثابتة وقدرات الحكومة التمويلية”. وتميل المصارف إلى تجنب المنتجات المعقدة، إذ تتخلى عن تنويع الأرباح لزيادة إستقرار الصناعة، “وذلك في سياق عوائد منخفضة تاريخيا على ديون الحكومة. ويشير التمويل إلى نسبة عالية من ودائع التجزئة التي أظهرت مرونة عبر مختلف الأزمات الماضية”.

رغم أزمة التمويل التي يعانيها إقتصاد لبنان، لا توقعات بـ”مزيد من التدهور” هذه السنة. لكن يبقى “عدم اليقين” من قدرة واضعي السياسات على معالجة إصلاحات الاقتصاد الكلي المتوسطة والطويلة الأجل في بيت القصيد. وطالما بقي الخلاف السياسي، تأخرت الإصلاحات الجذرية التي يتطلع إليها المانحون، وسيقدمون على أساس وجودها واقعا لا وعودا، قروضا إلى لبنان لتمويل ورشة إنهاض البنى التحتية المترهلة.

التوازن السياسي الهشّ في لبنان ينعكس مخاطر إقتصادية خطيرة. قد يمنح المجتمع الدولي لبنان فترة سماح تمتدّ للعام 2018 الحافل بإستحقاقات أهمها الانتخابات النيابية في أيار/مايو إن لم يستجد طارئ أو تحلّ “قوة قاهرة”. لكن حتام؟ فللمهل الزمنية أيضا فترة صلاحية غير قابلة للتجديد أو للتمديد.


65464

رادار